بنكيران يسود.. والآخرون يحكمون
عبد الله الدامون
عندما يستدعي حزب العدالة والتنمية مسؤولا إسرائيليا إلى مؤتمره العام، وبعد ذلك تقوم القيامة في دواليب الحزب بدعوى أن الضيف صهيوني، ثم يقول زعيم الحزب إنه لم يكن يعرف بأن ذلك المسؤول إسرائيلي، فهذا دليل على أن السياسة يمكن أن تتحول في أي وقت إلى نكتة.
قديما قال الشاعر «إذا لم تكن تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم»، هذا ما ينطبق بالضبط على أمين عام حزب العدالة والتنمية، الذي تنطبق عليه هذه الأيام كل الحكم الموجودة في العالم، وعلى رأسها حكمة «عذر أقبح من ذنب»، أي «جَا يكحّلـْها عْماها».
الجدل الذي فجره استدعاء شخصية إسرائيلية إلى مؤتمر حزب العدالة والتنمية هو الجزء الظاهر فقط من جبل المتناقضات التي يعيشها هذا الحزب الذي خرج من جلباب المعارضة إلى «كرافاتة» الحكم، لذلك يتساءل كثيرون: من استدعى المسؤول الإسرائيلي فعلا؟ وهل وجد بنكيران وأصحابه أنفسهم أمام أمر واقع كما جرى في قضايا أخرى كثيرة؟
ما جرى لهذا الحزب مع المسؤول الإسرائيلي هو نفسه الذي حدث في كثير من القضايا الأخرى، وأبرز مثال على ذلك هو الزيادة في الأسعار، حين وجد بنكيران نفسه وسط عاصفة من الاحتجاجات بعد الزيادة في أسعار المحروقات، بينما أكثر الناس سذاجة يعرف أن بنكيران لم يقدم ولم يؤخر في هذه القضية، بل وجد نفسه أمام أمر واقع فقرر دخول المعمعة والدفاع عن زيادة تم التخطيط لها منذ زمن.
هذا الرجل، الذي قفز نحو رئاسة الحكومة ليمنع الربيع من الوصول إلى المغرب، وجد أن منصبه هذا لا يختلف كثيرا عن تلك الأيام التي كان يأكل فيها العصا في أقبية التعذيب.. إنه منصب يشبه الخازوق، فقد كان بنكيران يطمح إلى تغيير النظام في زمن كان فيه تغيير الأنظمة يشبه يوم القيامة، وها هو اليوم جزء من النظام، وفوق ذلك هو مجبر على تحمل وزر أعمال لا يستطيع تحملها حتى النظام نفسه.
لا نعرف إن كان السّي عبد الإله يجلس وحيدا بين الفينة والأخرى ليتأمل أثر خطواته السابقة واللاحقة، لكنه يجب أن يفعل ذلك لأن التأمل نعمة لا تعادلها أية نعمة أخرى. ولو أنه التفت إلى الوراء لرأى سلفه عبد الرحمن اليوسفي وكأنه يلوّح له بيده ويقول له: «حذار من قشور الموز الموضوعة في كل مكان، واحذر أكثر من أن تكون ساذجا وتعتقد أنك أنت الذي تحكم».
عبد الرحمن اليوسفي كان هو النسخة الاشتراكية من بنكيران. لقد جاء به الحسن الثاني لكي ينقذه من السكتة القلبية، أو لينقذ البلاد منها. وبعد وقت قصير، وجد اليوسفي نفسه يضيق على الصحافة ويغلق مجلات ويرسل صحافيين إلى السجن.
بنكيران يجب أن يتوقع سيناريو مثل هذا في المستقبل، وفي عهده قد يدخل صحافي أو أكثر إلى السجن، وقد تجد صحفٌ ومجلات نفسها أمام الحائط، أو تحت مقصلة الإعدام. بنكيران، الذي التقط صورا ضاحكة مع مسؤول إسرائيلي شهير، ثم قال إنه لا يعرفه، عليه أن يلتقي باليوسفي ويسأله كيف أن مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط كان مفتوحا في عهد حكومة اليوسفي، وأين؟ في شارع يحمل اسم المهدي بن بركة. ومن سمع بكل ذلك الكلام عن دور إسرائيل في اغتيال بن بركة سيدرك حجم المهانة التي عاشها الاتحادي عبد الرحمن اليوسفي.
لكن الغريب أن بنكيران يركب اليوم حصانا دستوريا لم يكن يركبه اليوسفي، ومع ذلك فإنه يتخلى عن صلاحياته كما لو أنه ملك يتخلى عن صلاحياته لرئيس وزرائه، وبدا ذلك جليا في أشياء كثيرة، بدءا بتعيين السفراء وانتهاء بالمدراء العامين الكبار، ومرورا بأشياء كثيرة أخرى.
بنكيران، الذي ركب صهوة شباب 20 فبراير المطالبين بسقوط الفساد، لن يحارب الفساد، ولن يزج بالفاسدين في السجن، إنه يتوسل إليهم فقط ألا يستمروا في السرقة بـ«العلاّلي»، إنه يقول للفاسدين واللصوص «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
أكبر خطر يواجهه اليوم بنكيران هو الفشل، لكن الخطر الأكبر هو أن الناس صاروا ينظرون إلى حزبه على أنه حزب منافق ومخادع وكذاب، وأكثر من هذا بدأ الناس يفقدون الأمل في المستقبل، وإذا حدث هذا فإن الربيع المغربي سيكون صيفا أصفر بجحيم لا يطاق.
