مــراكــز الاتــصال و النداء الــخطــر القــادم
عبد الهادي وهبي
تعرف المدن المغربية الكبرى و الصغرى منها ، انتشارا سريعا و مخيفا لما يسمى '' بمراكز الاتصال '' وهناك من يطلق عليها " مراكز النداء " وقبل الخوض في هذا الموضوع الجدير بالاهتمام ، لابد من الإشارة إلى أن مراكز الاتصال ،ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية كحتمية للدينامية الاقتصادية و التجارية منها تحديدا ، حيث تعدد الشركاء التجاريون داخل الدولة و خارجها ،وكان لابد من البحث عن طرق أسرع للتواصل بين الإطراف الثلاث وهي البائـع ( le vendeur ) و التاجر ( commerciaux) و الزبـون ( le client ) ثم انتقلت إلى الدول الأوربية المتقدمة خدمة لتطوير اقتصادها في إطار المنافسة العالمية بعد ذلك ، ونظرا لضعفنا لسنوات ، استحكم المستعمر الفرنسي و الانكليزي الجديد بمقدوراتنا بتواطؤ مع المفسدين من المحيط المختل في سياساته إلى الخليج المحتل في أرضه و خيراته ، دخلت الينا هذه المراكز ،وأصبحت سلاحا جديدا للمستعمر من اجل صيانة مكتسبات المستعمر . ولكن ماهي وضعية اقتصادنا النامي في ظل اقتصاد عالمي تلعبه مراكز الاتصال دورا هاما ؟ كيف انتشرت هذه المراكز في المدن المغربية بهذه السرعة ؟ ثم ماهي المخاطر الآنية و المستقبلية لهذه على الثقافة و الهوية المغربية تحديدا ؟
بالنسبة للتساؤل الأول ، على الأقل بعد مرور العشرية الأولى من القرن الواحد و العشرين ( 01/01/2000 – 31/12/2010 ) لم يتحرك اقتصادنا على الإطلاق ، ولازلنا مجرد مفعول به منصوب بالتبعية الظاهرة على اقتصاده وسياسته ، او مجرور بالكسرة الظاهرة في التخلف و الفساد و الفقر ، و بالنتيجة ، فمراكز الاتصال آو النداء لا تقبل إلا فاعلا مرفوعا،و علامة رفعه التقدم الاقتصادي و التكنولوجي ، فاعلا في الاقتصاد العالمي و يتحكم في دواليبه و مجرياته وتياراته التجارية، و بالتالي فمراكز الاتصال او النداء الموجودة حاليا في المدن المغربية تخدم الاقتصاد الأوروبي و الفرنسي تحديدا ، و الدليل على ذلك هو ان الرئيس الفرنسي الجديد هدد قبل أسابيع بترحيل مراكز الاتصال او النداء الفرنسية الموجودة بالمغرب ، وعاد في نهاية الأسبوع الماضي إلى التخلي عن الترحيل ليؤكد أن هذه المراكز ستبقى في المغرب ، و السبب في هذين الموقفين المناقضين هو ان الرئيس الجديد لم يمتلك بعد التجربة السياسية ،ولكن لما اخبره مستشارو الرئيس السابق على أن هذه المراكز رغم انها في المغرب تخدم الاقتصاد الفرنسي بالدرجة الأولى ،و أن المغرب مجرد محتضن ، تراجع عن موقفه ،و هذه المراكز هي نوع من أساليب النهب و الاستغلال لثرواتنا الطبيعية و مواردنا البشرية و في خدمة الاتنطربول الاقتصادي العالمي .
اما السؤال الثاني ، حول الوصفة السحرية لانتشار هذه المراكز بهذه السرعة الفائقة بالمدن المغربية ، وذلك راجع إلى استفحال الفساد الإداري و الاقتصادي ،وغياب الشفافية و المصلحة الوطنية في قبول طلبات او ملفات الاستثمار الأجنبي بالمغرب، و غياب القوانين الواضحة التي تحمي المؤسسات الوطنية الصغرى ة المتوسطة من المنافسة الخارجية ، بل ويتم التحايل على القوانين الموجودة في كثير من الحالات ،و هناك علاقات الزبونية و المصاهرة أحيانا أخرى بين المسؤول الإداري المغربي في الادارت الوطنية الكبرى ،والمستثمر الأجنبي الذي يستغل الوضع لتسهيل عمليات الاستثمار و إخراج المركز في عشية و ضحاياها إلى الواقع،- أما المستثمر المغربي ، فعليه أن يقضي شهورا بين الإدارات و المحاكم قبل ان يصادق على مشروعه الاستثماري - و مقابل ذلك يجد المسؤول الإداري الكبير مخرجا لما سرقه من أموال الدولة و المساكين من خلال فتح حسابات بنكية في باريس او لندن او ألمانيا ، أو يقتني شقة في وسط العاصمة باريس إلى جانب كبار الدولة الفرنسية و مليارديرات تجار المخدرات و حقوق الإنسان و الحروب العالمية و الإقليمية و تجار الأسلحة القاتلة التي تنتشر في العراق و سوريا أكثر من انتشار المواد الغذائية. و الواضح ان ملف المستثمر الأجنبي يتم بنوع من العلنية و الوضوح ، والأخر في سرية تامة ، لان مصادر اقتناء شقته مشبوهة ناتجة عن فساد و استغلال للسلطة و النفوذ او عبارة عن رشاو.
اما السؤال الأخير ، وأجده مهما ، فحسب اعتقادي الشخصي فهذه المراكز تحمل في طياتها من المخاطر الآنية و المستقبلية الشئ الكثير ، يحكي لي أحد الآباء حول سلوك و معاملة أبنته الوحيدة عندما دخلت إلى عالم مراكز النداء و الاتصال ، حيث ساعدها التحكم في اللغات من القبول و العمل بعد حصولها على شهادة الإجازة في الأدب الفرنسي ، و بكل مرارة يقول : كانت أسماء من بين فتيات الحي الكل يتحدث عن أخلاقها العالية لا تفارق المنزل إلا رفقة أو احد إخوتها الكبار، الكل يتحدث عنها في مجتمع لا يرحم و لا ينجو منه الا القليل ، أما الآن فقد انقلبت أسماء رأسا على عقب ، فأصبحت تغادر المنزل مبكرا ،و لا تعود إلا في منتصف الليل ،إذا سألتها عن سبب التأخر ، اعتذرت بالعمل ، كانت لا تعرف ما معنى الهاتف النقال ،و أصبح هاتفها لا يقف عن الرن ليلا و نهارا، حتى أنها كانت تنفق على والديها في كثير من الحالات و في الأعياد ، و أصبحت لا تقدم لهم و لودرهما واحدا رغم أنها تتلقى أجرة جيدة ،والسبب هو ان أسماء أصبحت ضحية من ضحايا إدمان المخدرات حيث أجرتها لا تكفيها لاقتناء السم القاتل ، أسماء ليست إلا ونموذجا لعشرات الضحايا الآخرين و الأخريات ، أما اقتصاديا فمراكز الاتصال او النداء تخرب الاقتصاد الوطني لصالح الاقتصاد الفرنسي و غيره ، ثم أنها نموذج جديد للرأسمالية المتوحشة التي تحولت ألان رأسمالية مالية ، فمقابل كلمة واحدة تتدفق على صاحب المركز ملايين الدولارات ،و هذا نوع من الربا في المنطوق الإسلامي ، ومن يعمل في هذه المراكز، فهو شبيه بمن يعمل في الابناك الربوية , ناهيك عن اللباس المشبه بالسافرات و العاهرات المفروض بالقوة على الشابات العاملات بالمراكز و خاصة في مصلحة الاستقبال و الكتابة العامة ، ثم ان هذه المراكز أصبحت توفر الشقة و الجنس للمتصلين و الراغبين في قضاء الليالي و الأيام .
و خلاصة القول كلمة حق نقوله لبضعنا خير من جملة يقولها لنا الآخرون بعد فوات الأوان .
