وليدات حديدان...

وليدات حديدان...

مصطفى المسناوي

 

 

تعرض القناة التلفزيونية الثانية سلسلة يقال إنها مستقاة من التراث الشعبي المغربي تحمل اسم «حديدان»، مثلما يقال إنها تحظى برضى المشاهدين وبنسبة مشاهدة مرتفعة أدت إلى تحوّل أبطالها إلى نماذج يحتذى بها من قبل الأطفال الناشئين الذين صاروا يتبارون في تقليد نبرة حديث البطل الرئيسي للسلسلة، وفي تقليد العاهات (اللفظية والمشهدية) لباقي الأبطال.
وبصرف النظر عن كون السلسلة من النوع الذي يهرب إلى التراث البعيد كي يبتعد عن جمر الواقع ولا يتورط في أي موقف قد يحسب عليه هنا أو هناك، وعن كون القيم التي تحملها سلبية متخلفة بالمقارنة مع الحقيقة ومع ما يتطلبه العصر وكونها تدعو الفرد إلى اعتماد «التاحراميات» كوسيلة وحيدة في التعامل مع الآخرين؛ ينبغي التذكير بأن حكاية حديدان الأصلية لا علاقة لها بما يرد في السلسلة، وأنها تكاد تكون مشتركة بين جميع الثقافات البشرية، حيث يذهب باحثون في الحكاية الشعبية إلى أنها، أي الحكاية، ظهرت خلال عصر الحجر والمعادن، الذي انطلق في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وتميز باكتشاف الإنسان للمعادن وطرق صهرها، ومن ثمة انبنت لحمة حكاية «حديدان» (وهو ما يظهر من اسمها ذاته) على تمجيد المعادن انطلاقا من الحديد.
تتحدث حكاية حديدان الأصلية عن والدين يذهبان إلى الحج ويتركان أبناءهما السبعة خلفهما، فيبني أحدهما بيتا من القش، والثاني بيتا من القصب، والثالث بيتا من الخشب، والرابع بيتا من الطين.. وهكذا إلى الابن السابع، آخر العنقود، الذي كان قزما لكنه خارق الذكاء، ولذلك بنى بيتا من الحديد. ولن تظهر أهمية اختيار حديدان إلا بعد أن تأتي «ماما غولة» (ويقال لها «ماما» إشارة إلى أن لها أبناء، بما يميزها عن الغولة العزباء، والله أعلم) وتشرع في التهام الأبناء الواحد بعد الآخر وبسهولة مطلقة إلى أن تصل إلى حديدان فتعجز عن اختراق جدران بيته الحديدي ويتوصل هو في النهاية، بفعل ذكائه الخارق، إلى إنهاكها والنيل منها بقتلها وقتل بناتها الثلاث، معلنا بذلك انتصار عصر المعادن على العصر الحجري الذي اعتمد البشر فيه على الحجارة والعظام والخشب فحسب، فكانوا عاجزين عن مواجهة «تغوّل» الطبيعة وتقلباتها (غوائلها؟)، وكانت هذه تصنع بهم ما تشاء.
هذا هو الأصل في حكاية حديدان، وهي حكاية تظل مثيرة للفكر البشري إلى الآن بحكم مخاطبتها لأحد أعماق اللاوعي الجمعي البشري (كما قد يقول ورثة التحليل النفسي)، منادية وداعية إياه إلى «تقديس» الحديد والمعادن بصفة عامة؛ وهو «النداء» الذي التقطه -دون شك- عدد لا بأس به من الناس عندنا، قادما إليهم من البعيد (6000 سنة)، فبادر بعض منهم في فاس إلى اقتلاع قطع حديدية من سكة القطار تبرّكا بجدهم الأكبر حديدان، مثلما بادر عشرات الأفراد إلى الهجوم على «حديقة سندباد» بالدار البيضاء والشروع في تفكيك آلياتها الحديدية ونقلها إلى أماكن مجهولة، في «غزوة» تواصلت خمسة أيام قبل أن تنتبه السلطات المعنية إلى أن الأمر يتعلق بسطو على ممتلكات خاصة وتبادر إلى توقيف بعض من حفدة حديدان الذين يعتقدون إلى حد الآن أنهم مظلومون وأنهم لم يفعلوا شيئا سوى تلبية نداء الجد الأكبر الذي يتابعونه بشكل لاواع صباح مساء عبر القناة الثانية التي تمجّده باستمرار وتدعو مشاهديها إلى أن يسألوه في الشاذة والفاذة وفي كل ما يخطر أو لا يخطر على بالهم، محوّلة إياه إلى مفتٍ لديار أفريقيا الشمالية وما جاورها.
بقي هناك شيء واحد لا بد من توضيحه، وهو أن الدرب الجديد الذي دخله وليدات حديدان لا يمكنه أن يحقق مقاصد جدهم الأكبر في تمجيد المعادن والحديد بوجه خاص، بل بالعكس: حيث لا يمكن لقلع قطع الحديد من سكك القطار أو لنهب الممتلكات المعدنية الخاصة والعامة سوى أن يعود بنا، لا قدّر الله، إلى العصر الحجري القديم.
فهل ذلك هو ما تريده القناة الثانية عبر ما تبعثه من إشارات بـ«المرموز» عبر حديدان؟ الله أعلم، والوحيد الذي يملك جوابا لذلك هو «موالين» التلفزيون.
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة