الطبع هنا.. وهناك!

الطبع هنا.. وهناك!

مصطفى المسناوي

 

 

من بين الصور التي يتم تداولها عبر شبكة الإنترنيت، أضيفت هذا الأسبوع صورة مقارنة بين ألمانيا والمغرب، ورد فيها أن الألمان يطبعون سنويا عشرين (20) ألف كتاب، في حين أن المغاربة «يطبعون» مائة (100) ألف دلاحة في السنة.
وكما هو واضح، فإن واضع هذه الصورة يحاول (انطلاقا من ازدواجية معنى كلمة «طبع») أن يسخر من أبناء البلاد التي أنجبته وربّته مقارنا إياهم بالألمان الأجانب الأغراب الذين يقومون بطبع الكتب وتنمية المعرفة، بينما نكتفي نحن -في مضمر كلامه- بـ«طبع» البطيخ الأخضر وتنمية البطون وما يرتبط بها من أمراض مميزة لبلدان ما كان يسمى «العالم الثالث».
إن هذا الخيار الأيديولوجي لصاحب الصورة يندرج مباشرة ضمن ما يعرفه المحللون النفسيون (والمحرّمون غير النفسيين) بـ«جلد الذات»؛ وما أكثره في ما يكتب وينشر هذه الأيام، سواء عبر الصحافة المكتوبة أو الصحافة الإلكترونية التي تناسلت في الأشهر الأخيرة دون حسيب ولا رقيب: فكل شيء في بلادنا أسود، وليس هناك شيء يسرّ: الجرائم والسرقات والاختلاسات وحوادث الطرق وجرائم الاغتصاب والقتل تحيط بنا من كل حدب وصوب، بما ينتهي إلى توليد اليأس والإحباط في النفوس، ويغبط الأعداء المتربصين في كل مكان.
إن واضع الصورة يغمض عينيه عن الفرحة التي تغمر المواطن المغربي أثناء «طبعه» للدلاح والتهامه، والتي لا يمكن العثور عليها مطلقا لدى الألماني أثناء طبعه للكتاب، لا لأن هذا الأخير حازم وصارم بطبعه، يقيس الأمور دوما بمقياس العقل فحسب، ولكن لأن العلاقة بالكتاب هي عبارة عن علاقة بشيء جامد، في حين أن العلاقة بالدلاح هي علاقة بشيء حي، إن لم تكن علاقة مباشرة بالحياة نفسها، في أحد أبرز تجلياتها؛ وهو ما لا يفهمه كثير من المستشرقين والمستعربين الذين ينظرون إلينا انطلاقا من مقولات جامدة، فيستغربون حين يلاحظون أن طقوس «طبع» الدلاح عندنا وأكله تتقاطع في كثير من جوانبها مع طقوس الحضرة الصوفية، حيث تصمت لغة الكلام وتسود لغة الرمز والإشارة والهمهمة.
يضاف إلى ذلك أن واضع الصورة لا يدرك أن عصر الكتاب قد انتهى، وأننا إذا كنا لا نطبع الكتب ولا نقرؤها في بلادنا السعيدة فعن إدراك منا لهذه الحقيقة الساطعة ولأننا دخلنا عصرا جديدا أسماه المفكرون والمهتمون «عصر الصورة»، وهو عصر حوّل ما تبقى من قراء الكتب إلى كائنات أحفورية متخلفة تنتمي إلى العصر الطباشيري، ويمكننا معاينة آخر عيّناتها وهي تجلس على كراسي المقاهي منشغلة بقراءة صحف موضوعة رهن إشارتها بالمجان (نعم، فآخر العيّنات الأحفورية باتت ترفض، بدورها، «تبذير» نقودها في شراء المطبوعات).
لذلك صار من الضروري تجاوز ذلك الخطاب البكائي الذي يترحم على أيام كان الكتاب فيها مزدهرا عندنا تطبع منه ثلاثة (3) آلاف نسخة على الأقل، والاندراج ضمن العصر، بما يعني المطالبة بالتوقف عن طبع الكتب بصفة نهائية والتحوّل بالتدريج نحو طبع حيوي بديل هو «طبع» الدلاح ومختلف أنواع البطيخ، مع العمل على تحويل شعار «جريدة لكل مواطن» (الذي أثبت التاريخ فشله) إلى شعار جديد مناسب لهذا العصر: «دلاحة لكل مواطن»، في أفق رفع عدد طابعي الدلاح إلى أزيد من مشتركي الهاتف النقال، والحرص على دعم هذا النوع الجديد من الطبع بحيث يرقى إلى ممارسة دولية، وذلك عن طريق إصدار من يعنيهم الأمر عندنا لتوصية تودع لدى الهيئات الدولية المختصة، وعلى رأسها المنظمة العالمية للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) والمنظمة العالمية للأغذية والزراعة (الفاو)، من شأنها أن تساعد شعوب العالم قاطبة على الخروج من أزماتها الاقتصادية والمالية والروحية والبيئية وغيرها والتأسيس لمستقبل بازغ أفضل..
بذلك، وبذلك وحده، نتجاوز العالم ونثبت لشعوبه، مرة أخرى، أننا خير خلف لخير سلف، وأننا قادرون على الإسهام في الحضارة البشرية من جديد.. والخير أمام..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة