" الخبزة المعلقة"

" الخبزة المعلقة"

الحسين أربيب

 

 

في خضم التفاعل السياسي المغربي، وفي جو النقاش الدائرحول" تنزيل" الدستور والمطالبة بتقليص بروتكول البيعة والخرجات الإعلامية لرئيس الحكومة التي زادت نكهة لليالي رمضان على صفحات الفايسبوك وشرفات المقاهي، تناقلت الأنباء  في الأيام الأخيرة خبر أزمة خبز قادمة بالمغرب نتيجة السنة العجفاء التي عرفتها زراعة القمح، وضغط الولايات المتحدة الأمريكة بالتلكئ بتزويد المغرب بطلباته من هذه المادة الحيوية،  مما ينذر بأزمة خبز وشيكة حسب خبراء مغاربة في المجال الزراعي. و عليه فالحقبة  القادمة من الدخول السياسي والمدرسي قد يكون محورها الأساسي "الخبز"، ومن ثمة لن يكون لواضعي الدستور ولا لرئيس الحكومة سوى الإستجابة للأفواه الجائعة التي ستطالب هذه المرة بالخبز بالرغم من أن ليس بالخبز يحيا الإنسان ، فالحرية أفضل بكثير من رغيف لو كان الإختيار بينهما ملزما ولكن الجمع بين الخبر وقليل من اللحم والسمك وبعض الفواكه والحريات والشغل والتمدرس والعلاج والكرامة ، فتلك عملية سياسة قد تكون حققت جزءا من أحلام الشعب المغربي في زمن سياسي قاسي. ويبقى الخبز في حياتنا  المعيشية مادة حيوية وضرورية لا يستغني عنه إلا من له من البدائل والوفرة ، وحتى الأغنياء لا يستغنون عنه إلا لضرورة الحمية أو للوقاية من أمراض السكري أو للنقص من البطون والأرداف التي تطل كالبالكونات على فضاءات الغير لآنهم يأكلون في الغالب أرزاق الناس بغير حق.                                                                                                                                                                                                             

        فالخبز له تاريخ وجودي ووجداني وسياسي واجتماعي ، فوجوده يعود لأكثر من 12 الف سنة  عرفته البشرية في بلدان الشرق الأوسط والصين وأمريكا الوسطى ، ويقول المؤرخون أن عادة أكل الخبز بدأت مع العهد الحجري بمصر وتستدل بعض الرسومات على ذلك، فالإستهلاك الأول للقمح كان على شكل حبوب ولكن قيمته الغذائية كانت محدودة، ولم يتم الإنتقال لمرحلة الخبز على الشكل الحالي إلا بعد تطورات عملت الصدف عملتها لكي يصير الخبر كعجينة مخلوطة بالماء والخميرة . فللخبز دور في الحركات الإجتماعية والسياسية لأنه مادة استراتيجية  ساهمت في رسم الخرائط الإجتماعية والإقتصادية للمجتمعات والشعوب ، فكان تارة يلعب دور عملة نقدية يتم من خلالها التبادل والبيع والشراء وتارة كمادة تقدم قربانا للآلهة وتعتبر مدينة "بيت لحم " وتعني "مدينة الخبر" باللغة الأرمينية ، بلفسطين المحتلة أول المدن التي انتشرت فيها المخابز بشكل حرفي ومهني  ولقد  أخذ الخبر عدة اعتبارات وأبعاد في ثقافة الشعوب لدرجة التقديس ، وخاصة لما نجد الكتب السماوية تذكر الخبز كما في القرآن الكريم في سورة يوسف "وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا"مما كرس تلك المكانة الرفيعة .   ومن غريب الصدف أن يكون الخبز في قلب الثورة الفرنسية1789  حيث استولى الشعب على سجن لاباستيل اعتقادا منه بأن مخازن القمح تتواجد بالجوار ، كما استعمل الخبز ومادة القمح كسلاح للضغط على الأعداء للإستسلام كما وقع إبان الحرب العالمية الأولى حيث حرمت الويات المتحدة الأمريكية كلا من ألمانيا والنمسا من القمح مما سرع من سقوطهما ، وخلال الأزمة الإقتصادية لسنة 1929تظاهر الفرنسيون بالشوارع وهم يصرخون مطالبين ب "العمل والخبز".                                   وللخبز ببلادنا  ثقافة وتقاليد وحكايات عديدة لم توثق في غالبها مما يجعل هذا التراث الإنساني مهددا بالتلف ، فعلاومة عن التفنن في صناعة الخبز بالمغرب وتعدد أنواعه من جهة الى أخرى ، فإنه مادة مؤثرة في المسار السياسي والإقتصادي للوطن ، لذا كان دائما يعامل من قبل أصحاب القرار السياسي والإقتصادي بحذر شديد وتراقب المادة التي تكونه وتحدد الدولة أسعاره بالرغم من توقيع المغرب على اتفاقية التجارة العالمية الحرة . إلا أن القرار السياسي المغربي كثيرا ما يلين تجاه الضغوطات الأجنبية والمحلية لفائدة أصحاب المصالح ويترك االمواطن المسكين  يبحث عن الرغيف الذي يشكل الجزء الكبير من وجبته الغذائية ، وهذا ما يؤجج الثورات لأن في اعتقاد الشعب أن قطع الأرزاق من قطع الأعناق ، إذن فلن يكون الخوف مكان لما يمس المرء في قوته اليومي ،فحينئذ الكل يصبح واعيا بما ينتظره ويعلم "صاحب دعوته" ويخرج للشوارع والأزقة مطالبا بالخبز  وقد تتحول الأمور الى المطالبة بأشياء أخرى لأن الخبز مناسبة للثورة كما وقع سنة 1981حيث سقط العديد من الشهداء الذي وصفهم البصري وزير الداخلية آنذاك ب "شهداء الكوميرة " لأنه لا يعلم ولن يعلم (لأنه مات) ،أن المرء يموت عن أولاده وبلده.          .                                                                                          ويظل الخبز الى الأبد المادة الغذائية التي ستتفاعل معها الشعوب الفقيرة كلما طرأ ارتفاع في سعرها وقد تكون سببا في نشوب  الثورات الإجتماعية والسياسية ،لأن الخبز احتل مكانة امتزجت مع الذات والكينونة كما التحمت مع اللغة المعبر عن لسان حال الشعوب ، فالخبزة عند المغربي هي العمل عندما يتحدث عن شغله القاسي والمتعب ، كما قال لي والدي رحمه الله واصفا عمله ، البناء ،ب "الخبزة المعلقة " لأنه يصعد السلالم و"الشافوداج" ليقوم بعمله ليضمن ثمن الخبز . ونطلب الله أن لا يحرمنا من الخبز ومن الحرية.                                 .                                                                                                         

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة