غرباء في أوساطهم
يوسف الادريسي
لو كانت السعادة في الجلوس على الكراسي و الظفر بالمقعد السياسي لما وجدنا أناسا كنا نحسبهم من الأعيان الذين ابتسم لهم الحظ السياسي الاجتماعي من وراء القضبان أو في قفص الاتهام فهم يحسون بالغربة الاجتماعية في بيئة طافحة بالأنس والحركة مع أنهم يملكون قرار النهي و الأمر ويتملّكون سلطة الفصل و العزل. وكأنما هو شراع تتنازعه الأنواء أو كهف مظلم تأوي إليه أسباب الشقاء .
وقد يكون الرجل من القوم في موقع المسؤولية وبدل من أن يتخذ من المنصب سبيلا إلى قلوب أناس وضعوا ثقتهم فيه....بدل أن يجعله فرصة يحقق بها أمالا و ينجز أعمالا ، إذا بالمنصب يتحول من نعمة إلى نقمة بغرور قاتل و بأنانية هوجاء...حين يدور به كرسيه الدوار زهوا و خيلاء .
و لك أن تتصور بُعد المسافة الأخلاقية بين رجل يعيش في بحبوحة النعيم ثم لا يلفته النعيم إلى من دونه من البؤساء و المحرومين و بين رجل تدهمه المصائب فإذا باليقين يحولها كيماويا إلى مبادئ يستمد منها قوته و صبره على البلاء ، ليخرج من غربته و عزلته بالإحساس بها واستثمارها للرّقي في تجارب الحياة ، فما أكثر الذين يعيشون في البساتين و الظلال ، بينما تشعر نفوسهم بالضيق و الأغلال . إنهم أصحّاء الأجسام مرضى المشاعر، أقوياء بمنصبهم لكن ضعفاء أمام الناس .
ومعنى ذلك أن الذين يستنفذون قواهم في البحت عن أسباب الرّقي على حساب عرق الضعفاء ، يكلهم القدر إلى أسبابهم الواهية و سواعدهم الواهنة فإذا هم أقل من صروف الأيام ، و إذا حياتهم مشدودة إلى أوتاد قلقة حائرة لا تستقر على حال و من ثم لا يحسون للسعادة طعما .
هذا شأن كل من يستصغر الناس و يستعبدهم ، كل من يحبسه جدار الذات و فقدان الأناة فلا يستطيع الوصول إلى الحقيقة الأزلية المنبعثة من تاريخ البشر ، حقيقة التواضع و الإحساس بالناس . فلا شك أن العُجب السياسي بكل أنواعه وأشكاله التاريخية و الحديثة المعاصرة ، أربك الساحة السياسية أفرادا و جماعات .
في حين أن الدراسة البسيطة للواقع السياسي تكشف عن خطورة هذا المرض النفسي على آفاق مستقبل أمتنا و عن تدميره لكل أبعاد النهضة المرجوة في أوطاننا.
