تربية الخوف

تربية الخوف

الحسين أربيب

 

 

الخوف طبيعة إنسانية ، إحساس نستمده من محيطنا الأسري والمجتمعي منذ الولادة ،إلا أننا في المغرب الخوف عندنا يتخذ أبعادا عميقة في شخصيتنا وتكويننا خلافا عن الإنسان الأروبي أو الأمريكي، فينمو معنا ويكبر ويتطور ليصبح خوفا مؤسسيا أي يدخل ضمن التركيبة الشخصية المغربية  ، فالأم المغربية ، من كثرة خوفها على فقدان رضيعها( تقمطه) تلفه في ثوب وتوثقه في شكل قالب من السكر ولا تتركه لوحده للحظة، يرضع من ثديها ويلعب بين يديها ثم ظهرها ويكسب صداقات وهو لا يفارقها. في حين أن الأم الأمريكية أو الأروبية منذ اليوم الأول من الحياة يعتمد الرضيع على نفسه تقدم له رضاعة ابلاستيكية ويترك في سريره حرا طليقا يحرك رجله ويديه ،لا كالرضيع المغربي المسكين الذي يعرف أنه معتقل منذ الوهلة الأولى من شدة الوثاق الذي لف حوله . ومن ثمة يتولد لديه الخوف من كل شيئ، يكبر ومعه الخوف لأنه لما خرج من باب الدار وهو يرى ويسمع المعارك والغزوات بين الجيران وأطفالهم وأحيانا يتدخل الكبار فتقوم القيامة في شكل حرب ضروس وياتي المخزن فيجمع الجميع في( الفاركونيت) . الخوف يكبر معنا ويصبح جزءا من ذواتنا نلعب وهومعنا لأننا نلعب دون أمان ولا ثقة بأن تنتهي اللعبة بسلام ، لأن لعبنا نصنعها بأيدينا ، نلعب بالحجر نلقيه على رؤوس بعضنا البعض ، نجري في الأزقة والطرقات لأننا لانتوفر على أماكن مخصصة للعب الأطفال ، من يضمن سلامتنا ؟ فالخوف معنا في المدرسة لأن المعلم يضع العصا في مقدمة أساليب التربية والتعليم، فحتى لو كانت لديك الإجابة الصحيحة لن تجيب لأن الخوف يلجم لسانك ويقزم كيانك فلا تنطلق في حرية لتعبر عن كل ما يخالج مشاعرك وفكرك  ، من هنا يموت فيك الإبداع والإبتكار لأن الخوف استولى على كيانك العقلي ولم تعد تفكر سوى في كيفية تلافي ضربات قرانك ومعلمك ، ولما تبلغ أشدك وتفهم مجرى الأمور وتتفقه وتتثقف من عدة منابع فكرية وحضارية لوحدك، لأنك لم تعول على المدرسة ولا الكلية بل رسمت لنفسك الطريق ومن ثمة تريد أن تثور على واقع متكلس ، واقع يجر للوراء في كل مناحي الحياة ولم تجد سوى الصدود والقمع أينما وليت وجهك ، في المدارس بعض المعلمين الذين لا علاقة لهم بالتعليم والتربية يحبطون كل طموحاتك ويكسرونها على صخرة اليأس ، لا لشئ سوى لأنهم ليسوا أهلا لمهنة شريفة التي لا تقبل إلا الشرفاء. وفي الشارع الخوف بالنهار حيث تقوم الحرب في كل لحظة وحين بين شاب "مقرقب "   و آخر"مرار" أي بائع المخذر بالتقسيط أو بين جزار وخضار ، وعليك الحذر وكل الحذر أن تقع فريسة لذلك العراك الذي لا يعرف أحدا كيف سينتهي وأين سينتهي؟.                                                                                            ولما تذهب لقضاء حاجة إدارية يمتلكك الخوف لأن غول المؤسسة الإدارية في كل الأذهان ،  وأساليب الإرهاب التي يمارسها بعض الموظفين على المواطنين لا توصف لآنها تفوق الوصف ، فإن أردت معرفتها ما عليك سوى الوقوف في صف الراغبين لقضاء حاجة إدارية كيفما كانت ، سوف تتعرض للتعذيب النفسي من كثرة الإنتظار بسبب الموظف الذي لم يصل بعد لأنه مازال في المقهى يتلذذ قهوته دون انشاغله بحاجتك الملحة التي من ورائها يتقاضى راتبه الذي تزوده أنت به عبر ضرائبك التي تؤديها دون تأخير، ولما يصل في تثاقل شديد وبوجه مكفهر كأنه "يهز القفة اليك" يجلس ببطئ كأنه مريض بالبواسير ويشعل سيجارته وهو ينظر اليك بنظرة استغراب كما لو كنت واقفا بباب داره،وأنت في كل هذا تتفاعل مشاعرك بين ارتفاع دقات قلبك وصعود السكر في الدم ،من جراء هذا الإستقبال الفظ الذي هو من طبيعة من لا تربية له ولا أصل له ولا تكوين له.  هنا يتملكك الخوف لأنك لو نطقت بكلمة حق يلفقون لك تهمة إهانة موظف أثناء قيامه بعمله ، أي عمل ؟ وأي موظف؟ الخوف في كل مكان قصدته أصبج جزءا منك ومنا لا نسطيع التعبير بحرية، لنا رقيب داخل أذهننا ، لأننا ذقنا التعذيب في المدرسة لما قلنا للمعلم الحقيقة ، حقيقة منهج تعليمه وعدم جدواه وجدوى مخططيه، وحرمنا من حرية التظاهر وتشكيل نقابات تعبر عن مطالبنا والتفوا حولنا وأسسوا نقابات تابعة لأرباب العمل ومسيرة بقيادات لا علاقة لها بالعمل النقابي ، والخوف ينتابك سواء كنت في الحزب أو غير متحزب، فالعضو الحزبي في بلادي ورقة خاسرة لأنه كالدمية في يد قيادات حزبية لا تتزحزح من مناصبها لأنها ببساطة تم تعيينها في تلك المناصب أو بالأحرى تم توريثها لها، والغير المتحزب ينظر اليه في شك من قبل الأمنيين لأنه قنبلة لا يعرفون متى تنفجر ، لذا يجب تخويفه والخوف ساكنه من قبل ، من أجل معرفة على ماذا تنطوي سريرته.                                                       إن تربية الخوف هاته كانت لها ومازالت عواقب وخيمة على الوطن والمواطنين ، فهي سبب تأخرنا الإقتصادي والسياسي والإجتماعي بل والنفسي أيضا ، فالخوف خلق منا ذلك الإنسان غير السوي وغيرالمتزن ، فلم نعد نقول الصراحة خوفا، ولا ننطق بالحق خوفا، ننافق في كل مجالاتنا الأسرية والإجتماعية والسياسية خوفا . ألم يحن بعد نزع ثوب الخوف عنا ؟ الخوف أصبح مزرعة كبيرة لوطن تصغر أحلامه يوما بعد يوم من شدة الخوف .هل حان الوقت لنثور ضد الخوف الذي يسكننا ونحن لم نجد لذواتنا سكنا؟ ألا نفكر في هجرة الخوف عوض التفكير في الهجرة عبر قوارب الموت ؟ ألا نقطع مع عهد الإستبداد لنتحرر من قيود صنعناها بأنفسنا لأنفسنا عبر موالاة لسياسات تشرد أبناءنا وتنهب خيراتنا ؟    لكل واحد منا أن يراجع نفسه ويعيد تربيتها على الشجاعة والإقدام ، شجاعة الإعتراف باننا السبب في كل ما يجري لنا لأننا ساهمنا في تكريس أوضاع  تربوية واقتصادية وسياسية رديئة بسكوتنا الناتج عن خوفنا لأننا عودونا على قول النعم على قول لا، وحتى تلك ال لا النافية نفوها من قاموسنا السياسي، فصارت تمعمع كالخروف في صناديق الإنتخابات المثقوبة ، وكانت لنا دموقراطية عرجاء تجر خيبتها أمام قرينتها في العالم الدموقراطي وتضحكه علينا كما لو كنا آخر الديناصورات في عالم السياسة . وهل بعد كل هذا من بقية  ؟ عسى أن لا تبقى للخوف بقية .                               .                                .                                                                                                      

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة