مدّاح القمر..

مدّاح القمر..

عبد الله الدامون

 

 

قبل أيام مات نيل أرمسترونغ، الرجل الذي وضع رجليه على القمر في يوليوز 1969. يومها، قيل إنها خطوة صغيرة لرجل على ظهر كوكب القمر، لكنها خطوة عملاقة للبشرية.
الحقيقة أن البشرية لم تكن لها أية خطوة، صغيرة كانت أو كبيرة، لأنه بعد قرابة نصف قرن من ذلك اليوم، لا يزال العالم غارقا في الفقر والأمية والجهل والاستغلال والفساد. الخطوة الجبارة التي حدثت بالوصول إلى القمر كانت خطوة أمريكية فقط، وليست خطوة إنسانية.
في كل الأحوال، فإن وصول الأمريكيين إلى القمر كان موضوعا اهتم به الناس جميعا، بدءا بكبار علماء الفضاء وانتهاء بالذين لا يجدون كوب ماء نقي أو قطعة خبر لإسكات نباح الجوع في بطونهم.
عندما وضع الأمريكيون رجلهم على القمر، نشب في المغرب جدل كبير بين من يصدقون وبين من لا يصدقون. الذين صدقوا قالوا إن العلم مفتوح أمام البشر، مسلمين وغير مسلمين، وإن القرآن ينص صراحة على أنه بالعلم فقط يمكن للبشر أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض؛ والذين لم يصدقوا اعتبروا أن القمر يشبه ملكوتا مقدسا، وأن الله لا يمكن أن يتركه مضغة بين أيدي الكفار. ربما أحس المغاربة ببعض الغبن لأنهم رأوا «نصرانيا» على سطح نفس الكوكب الذي رأوا فيه وجه السلطان محمد الخامس. أكيد أن مغاربة كثيرين كانوا مغتاظين لأنهم يعتبرون أنفسهم وصلوا إلى القمر قبل الأمريكان.
مرة، في تلك السنوات البعيدة، كنا في جلسة هادئة على شاطئ معزول بين البحر والغابة، وكان بيننا رجل يمسك «سبْسي» بين أنامله ويملأ «الشّقافْ» بكيف طري ويأخذ نفسا عميقا كأنه في جلسة «يوغا»، ثم يرسم بدخانه سحبا صغيرة في فضاء ليلي جعله ضوء القمر كنهار مشمس.
كان القمر قريبا جدا كأنه مصباح في غرفة. نظر إليه الرجل بخشوع ونفث نحوه دخان «كيفه» المعتق وقال: لعنة الله على الذين يقولون إن الأمريكيين وطـِئوا ذلك المكان الجميل. سألته لماذا؟ قال: وهل تعتقد أن الله خلق ذلك المكان حتى يدنسه الأمريكيون؟ إنه مكان مقدس. قلت له إن الكعبة مقدسة فعلا، لكن المسلمين أنفسهم، خلال خلافاتهم المقززة، رموها بالمنجنيق ودمروها تدميرا. ثم إن روح المسلم أكثر قدسية عند الله من الكعبة، ومع ذلك فإنه أرخص من حبة زيتون؛ لماذا، إذن، تجد أن القمر هو المكان المقدس الوحيد؟
انتهى ذلك النقاش بكثير من دخان الكيف راقصا تحت ضوء القمر، ودعوات لله أن يحفظ لنا «كتامة» من كل سوء. ومرت سنوات طويلة قبل أن أقرأ مواضيع علمية على قدر كبير من الجدية تقول إن وصول الأمريكيين إلى القمر محط شكوك كثيرة. الذين أعدوا تلك الدراسات هم بدورهم علماء فضاء قالوا إن كل ما قيل عن وصول أرمسترونغ إلى القمر هو محض هراء، وإن الأمريكيين خلقوا تلك الحكاية حتى لا يجدوا أنفسهم أضحوكة أمام أعدائهم السوفيات، الذين حققوا إنجازا تاريخيا سنة 1957 بعد إطلاق القمر الصناعي «سبوتنيك»، أي 12 سنة قبل حكاية القمر الأمريكية.
الذين يؤيدون «نظرية المؤامرة» حول خدعة وصول الأمريكيين إلى القمر يتساءلون لماذا مرت كل هذه السنوات الطويلة ولم تكرر «النّاسا» رحلة مماثلة، رغم تطور التكنولوجيا ألف مرة مقارنة بما كانت عليه سنة 1969؟ تساؤل يبدو مثيرا حقا.
عموما، وسواء وصل أرمسترونغ إلى القمر أو كانت تلك الصور مجرد رسوم متحركة، فإن المغاربة عادة ما يأخذون نصيبهم من إنجازات غيرهم بأكثر الطرق غرابة، وهكذا جاء أرمسترونغ إلى المغرب ووجد نفسه عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، التي أسسها الحسن الثاني سنة 1980.
الجميل في قضية الأكاديمية هاته هو أن الملك الراحل كان يحكم شعبا نسبة الأمية فيه حوالي 70 في المائة، ومع ذلك كان مفتونا بالوصول إلى القمر، وجعل أرمسترونغ عضوا في الأكاديمية. القضية هنا تشبه رجلا عنده بيت تحيط به حديقة واسعة، لكنه عوض أن يحفر بئرا ويغرس أشجارا ونباتا وفواكه، فإنه قرر تزيين حديقته بأزهار وأشجار من البلاستيك. هكذا، عوض أن يهتم الحسن الثاني بشعب أمي وفقير، فإنه جلب له أول إنسان وصل إلى القمر.
في كل الأحوال، النقاش حول الوصول إلى القمر ليس مغربيا ولا عربيا. إنه موضوع يهم الأمم التي تحترم نفسها، أما نحن فقد خلق الله لنا القمر لسبب واحد، وهو أن ننـْظـُم حوله الشعر ويغني عنه عبد الحليم حافظ.
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة