الضمير السياسي

الضمير السياسي

يوسف الإدريسي

 

 

 

تتردد كثيرا كلمة الضمير على ألسنة الناس عامتهم وخاصتهم واختلاف مستوياتهم ، وكثيرا ما يحتكمون إلى الضمير ويجعلونه مقياسا و ميزانا للأعمال و باعثا على التصرفات ومراقبا للأمور و التحركات ، و كثيرا ما يستعمله الناس سلاحا لتنبيه الأغيار بفقدانه أو زيغه أو موته و حياته أو قوته و ضعفه ، ولا يقتصر الأمر على مستوى الفردي أو الاجتماعي بل يتعدّاه إلى مستويات أجل و أعظم ، سيما إذا كانت تُعنى بالشأن العام و موجهة للنخبة و العوام ، توجيها ينسجم مع بواعث الفعل السياسي الأمين المنبثق من سياسة وجيهة ، حاكمة و متحكمة ، وليس من إرادة فاقدة للصلاحية و مغلوبة عن أمرها ، كُتب لها طوعا أو كرها أن تؤثث المشهد السياسي العليل إلى حين ميسرة .

 

حتما سيقف متتبع الشأن السياسي بالمغرب أمام مواقف الحكومة الحالية بعيدا عن الحصيلة الأولية التي قد يُفهم من تناولها درب من التحامل الاستباقي غير البنّاء. وقد نستشف من خلال أصوات حكماء الحكومة أنينا مدوّيا يعكس حالة الخفوت و النكوصية في مواقفهم و قراراتهم ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصرفقد غيّر أحد برلمانييي حزب العدالة و التنمية و عضو "منتدى الكرامة لحقوق الإنسان" موقفه اتجاه قضية التعذيب و التنكيل ، فبعد أن كان من مناهضي التعذيب و استمراره في حق المعتقلين السياسيين حيث وقف قبل خمسة أشهر أمام سجن "تولال 2" يندد بالممارسات التعسفية وما يصاحبها من إهانة للكرامة الآدمية ، ليفاجئ الجميع أو بالأحرى يصدم الرأي العام في مقابلة تلفزيونية مباشرة أن التعذيب كان في الماضي أما الحاضر فالقانون المغربي يوفر العديد من الإمكانيات القانونية لكل من سولت له نفسه و ادّعى بأنه تعرّض للتنكيل  أثناء استنطاقاته  ، فأيّ ماضي و حاضر يقصد الحقوقي والحقيقة أن الماضي ليس إلا امتداد لحاضر أسود ملغوم . تصريح زاد من حلكة دياجير الإنهزامية التي طغت على أديم المشهد السياسي بالمغرب ، والتي أثخنت جراح السياسة السياسوية في أدنى تجلياتها.

 

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على انهزامية طارئة بزغت في لحظة غفلة اتّسمت بسوء تقدير طبيعة المرحلة ، ليتوارى الضمير عن الأنظار و يستنجد بمهلة مفتوحة في قاعة الانتظار ، علّ الربيع يهلّ من جديد وتزول الغشاوة عن الأفق الحالك بالخطابات الديماغوجية و السياسات التعويمية ، ثم ينتقل الضمير إلى المرحلة الثانية و هي وظيفة الناصح الأمين و الموجّه القويم و الباعث المحرك ليدفع صاحبه إلى اتباع النهج السليم و السبيل المستقيم بعيدا عن الميكيافلية الانتهازية و الانهزامية المقيتة.

 

ولكن ليس للضمير سلطة القسر و القهر و الإجبار و إنما تبقى القيادة للإرادة ، فإن اختار الفاعل السياسي الشفافية و الوضوح و الانسجام مع الذات فإن الأداة تكون موجهة بسلطة الضمير الذي يتبوأ حينها مكانة القاضي الحاكم الذي لا يخشى في الله لومة لائم .

هكذا تظهر سلطة الضمير عند الناس و تمتاز بأنها عامة و مفروضة على الجميع بل مفطورة عندهم منذ التكوين الخلقي بدون تمييز بين شعب و شعب ، وأمة و أخرى و زمن دون آخر ومكان دون غيره ، ويتمتع به الأشخاص على جميع مستوياتهم لا فرق في ذلك بين سيد و مسود و غني وفقير ليفوق كل سلطان و بذلك ينفع الفرد و المجتمع .

 

لا شك أن أقسى ما في التيار الجارف من الاندفاع هو سوء تقدير حيثيات المرحلة ، فبقدر ما يكون موقف الفاعل السياسي في مركز القرار هشا و متضعضعا ، بقدر ما تكون الحصيلة السياسية مخيّبة للآمال و باعثة على الآلام ، خصوصا إذا كانت الأماني الأحلام متأسسة على توفير عيش كريم في ظل ميثاق منبثق عن الشعب عنوانه تحكيم و التزام للسير قدما نحو بناء مجتمع متوازن في أقصى انسجام و متكامل تكون فيه سلطة الضمير السياسي بمعية الإرادة القوية هي الأنقى و الأبقى .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة