«الترامواي» قادم.. أفسحوا الطريق

«الترامواي» قادم.. أفسحوا الطريق

مصطفى المسناوي

 

 

حسب أخبار تناقلتها وسائل الإعلام المحلية خلال الأسابيع القليلة الماضية، ينتظر أن ينطلق «ترامواي» الدار البيضاء يوم ثاني عشر دجنبر المقبل، أي يوم 12-12-12. وقد كثرت التأويلات بخصوص اختيار هذا التاريخ بالضبط كنقطة انطلاق، حيث اعتبر البعض ذلك تيمنا بانطلاقة مترو دبي يوم 09-09-09، في حين اعتبره البعض الآخر تحديا لنهاية العالم المعلن عنها يوم 12-12-12؛ وفي جميع الأحوال، يتمنى عدد من خبراء «الترامواي» المحليين أن يتم الافتتاح في هذا التاريخ بالضبط، لأنه إن تأخر ولم تأت نهاية العالم (حسب توقعات تقويم حضارة المايا البائدة) فسيتعين انتظار يوم 13-13-13، وهو رقم مشؤوم حسب ما كشف عنه السيد مدير قناة «الفراعين» المصرية ومذيعها الوحيد واستحق إيقاف قناته عن البث بسببه، ربما لأنه الوحيد الذي اخترق المحافل الماسونية واكتشف أن السنة القادمة ستتوفر على شهر إضافي (هو الشهر الثالث عشر)، وإن كان لم يذكر لنا اسمه بالتحديد.
لكن الغريب في الأمر هو أنه بمجرد الإعلان عن قرب انطلاق الخط الأول من «الترامواي» (وقبل أن «يزيد» ونسميه «اسعيد»)، قام وفد من مجلس مدينة الدار البيضاء (تحت رئاسة عمدتها شخصيا) برحلة طويلة شاقة قادته إلى أقصى جنوب غرب العالم، وتحديدا إلى مدينة سانتياغو، عاصمة الشيلي، للاستفادة من خبرة أهلها في مد خطوط «الترامواي» (أو المترو) المعلق، على أساس أن هذه تجربة يمكن الاستعانة بها في بناء الخط الثاني لـ«ترامواي» الدار البيضاء. ووجه الغرابة هنا لا يرجع إلى الشروع في الحديث عن الخط الثاني قبل دخول الخط الأول حيز العمل، وإنما يرجع إلى أنه كان بالإمكان الاستئناس بتجربة أقرب إلينا جغرافيا هي تجربة «مترو» دبي المشار إليه أعلاه، والتي تعتبر، فوق ذلك، الأحدث والأكثر تطورا مقارنة بتجارب أخرى مماثلة. لكن يبدو أن أعضاء وفد مجلس الدار البيضاء من أتباع الطريقة (غير الصوفية) التي تطلق على نفسها «فين وذنك آ جحا؟».
يضاف إلى ذلك أن واضعي مخطط «ترامواي» العاصمة الاقتصادية (بخطيه) ارتكبوا خطأ جسيما يكشف عن ميول استبدادية وغير ديمقراطية، حيث فكروا وخطـّطوا لوحدهم دون يتشاوروا مع المعنيين الأساسيين بوسيلة النقل العصرية الجديدة هذه، وهم، تحديدا، أصحاب سيارات الأجرة البيضاء، المعروفة باسم «لافاش فول» (أي «البقرة المجنونة»، والله أعلم)، الذين لا يمكن تجاوزهم بأي حال من الأحوال أثناء وضع مخططات النقل بأي مدينة من مدننا العامرة، على اعتبار أنهم الوحيدون الذين مازالوا يحافظون، إلى حد الآن، على تقاليدنا العريقة الراسخة في مجال النقل، القائمة على الحميمية والحفاظ على الحرارة البشرية، والتي يتمثل أحد أوجهها في إركاب المواطنين (وليس الحوالى، كما قد يقول بعض الحاقدين، هداهم الله وعفا عنهم) إثنين بجوار السائق وأربعة في المقاعد الخلفية، داخل المناطق الحضرية، وضعف العدد، على الأقل، في المناطق القروية. الشيء الذي جعل مواطنينا يعتبرون «لافاش فول» أداة محافظة على قيمهم «الأصيلة» ويفضلونها، من ثم، على جميع وسائل النقل «المعاصرة»: أرضية وبحرية وجوية، بل وحتى فضائية عابرة للكواكب والمجرات.
لذلك، يمكن القول إن سواق «لافاش فول» المائة والخمسين قد أحسنوا صنعا حين «قطعوا الطريق» بداية الأسبوع الماضي وعطلوا المرور منبهين الفاعلين (وحتى غير الفاعلين) السياسيين والجماعيين والحقوقيين، على المستويين المحلى والوطني (وربما على المستوى الدولي)، إلى ضرورة أخذ آرائهم بعين الاعتبار في كل عملية تهدف إلى إعادة هيكلة وبناء منظومة النقل ببلادنا، الآن وفي المستقبل؛ بما يعني أن الأمر لن يتوقف عند «الترامواي» وإنما سيتعداه إلى البواخر وإلى خطوط الطيران وإلى القطار فائق السرعة (الذي يطلق عليه بالعربية الفصحى اسم «التي جي في»)؛ وفعلا، إذا نحن فكرنا في الأمر، «لاش الزربة؟ لاش؟».
إن «الترامواي»، مثله مثل «التي جي في»، يعبران عن الرغبة في تقليد الغرب أكثر مما يعبر عن حاجة محلية إلى السرعة والانطلاق، انطلاقا من شعارنا التاريخي: «في التأني السلامة، وفي العجلة (أي «الرويدة»، والله أعلم) الندامة». لذلك يتعين علينا أن نصيخ السمع لسائقي «البقرة المجنونة» ونوقف كل مشاريع النقل الحداثية السريعة، لكي نعتمد على هذه «الأبقار» وحدها أو نرجع مباشرة إلى عصر «الكوتشي» و«الكرويلة»، ونحل بذلك مشكلين في وقت واحد: مشكل النقل ومشكل الطاقة، المتجددة منها وغير المتجددة؛ يا أمة ضحكت... من جهلها الأمم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة