تونس الثورة تعلمنا دروسا في الديمقراطية

أقلام حرة

16/10/2019 20:24:00

رشيد أخريبيش

تونس الثورة تعلمنا دروسا في الديمقراطية

يبدو أنّ البلد الذي مهّد لثورات الربيع الدّيمقراطي، والذي ساهم في انتشار الوعي لدى الشّعوب في العالم العربي وفي دول المغرب الكبير، يمنحنا مرّة أخرى هديّة من الطراز الرفيع، ويمنحنا دروساً  في الدّيمقراطية عكس ما كان يطمح إليه  أولئك الذين حاولوا إجهاض تجربتها، وحاولوا النّيل من شعبها الطّيب، الذي أبى إلاّ أن يكون في مستوى التطلّعات .

انتصار الثورة في تونس بعد سنوات من قيّامها لا شكّ أنّه سيُزعج الكثير من الأصنام في دول كثيرة مازالت تُراهن على فشل الشّعب التُّونسي في تجربته الدّيمقراطية، التي يخشون انتقالها إليهم ،وسيرسل رسائل مباشرة لكلّ هؤلاء الذين يجثمون على صدور الشّعوب إلى ما لا نهاية، مفادها أنّ  التّغيير قادم لا محال، هكذا هي قوانين التاريخ وهكذا هي قوانين الحياة ،  وهكذا هي أحلام الشّعوب الحرّة التي ترفض العيش تحت الاستبداد والتي تبحث دائما عن التّغيير.

كنّا نعلم جيّدا أنّ الشّعب التّونسي الحر سينتصر على كل العوائق وعلى كل الأعداء وعلى كل المستبدين، وكنّا نعلم أنّ هذا الشّعب الذي اختار أن يكون سباقا إلى إسقاط الأصنام سيكون سبّاقاً أيضاً إلى الانتصار والخروج من الفوضى التي تعيشها أكثر من دولة في عالمنا، وهذا لم يأت إلاّ بفضل درجة الوعي التي وصل إليها الشّعب التّونسي، الذي لا يختلف أحد في كونه هو الوحيد الذي استطاع أن يبقى صامداً في المنطقة  ضدّ العواصف، وضد  الاستبداد، وضد المؤامرات التي حيكت  ضد تونس وشعبها المناضل من طرف دول أجهضت أحلام الكثير من الشّعوب وأغرقتها في  دماء وفوضى، وقسّمتها إلى  ملل ونحل، كل ذلك خوفا من أن تنتقل عدوى الثورة إليهم  .

 

الشّعب التونسي فهم جيّدا أنّ الثورة على الفساد وإن أجهضوها،  وإن فشلت، وإن أعلنوا عليها الحرب فإنّها لا تموت، وقد فهم أيضاً أنّ الاستبداد مهما طال فإنّه لن يستمر . من كان يتوقّع بأنّ الثّورة ستنطلق من تونس وتشقّ طريقها نحو النجاح ؟ ومن كان يُصدّق أنّ دولة بوليسية بذلك الحجم ستسقط ويسقط معها كل الأصنام ؟ ومن كان يظنّ أنّ شعباً وُضع تحت الوصاية لعقود، سيكون حُرّاً أمام صناديق الاقتراع لاختيار رئيسه الشّرعي؟ من كان يتوقع أن تونس ستشهد هذا العرس الديمقراطي الذي تطمح إليه جميع الشعوب في دولنا إنّها العزيمة والإصرار ووعي الشعب  بضرورة التغيير .

 

شئنا أم أبينا فتونس  الثّورة انتصرت وانتصر معها حلم الشعب، وانتصرت آمال شعوب العالم العربي  وشعوب دول المغرب الكبير التي كانت قد  فقدت آمال التّغيير بعد الثورات المضادة التي أعادت التّسلط إلى دول الربيع و كرّست الاستبداد وحكم العسكر .

يجب أن نعترف أنّ تونس منحت العالم بأسره درساً لا يُنسى في الدّيمقراطية، وأنّ ثورتها سُتدرّس في الجامعات وفي المعاهد ، وستكون مُلهمة لكلّ الشّعوب التوّاقة إلى الحرّية  

تونس لقنت الطغاة أيضا في عالمنا دروساً بالغة الأهمّية، بل  سيتساءل هؤلاء  عن كلّ هذا النّجاح الذي حقّقته تونس وشعبها المناضل بلا دبّابة ولا عسكر  ولا تفويض لسفك دماء الشّعب كما حدث مع العديد من الدول التي تعيش الآن على وقع الفوضى .

 

ربّما يكون البعض منّا قد أُصيب  بإحباط  قليلاً من شدّة المؤامرات التي حيكت ضد ثورات الربيع الدّيمقراطي، ورُبّما يكون قد وصل البعض منّا إلى مرحلة اليأس من شدّة انتظار التّغيير، لكنّنا مع ذلك واثقون بأنّ التّغيير  سيحدث آجلا أم عاجلا .

تونس استطاعت أن تُعيد الأمل المفقود لملايين الشّعوب، واستطاعت أن تحيي أحلام الكثير منها بانتصارها التاريخي على الديكتاتورية وعلى الاستبداد، وما ذلك الإنجاز سوى بداية لانجازات أخرى يمكن أن تتحقق في المستقبل مادام أن هناك من يُفكّر للوصول بتونس وشعبها إلى برّ الأمان .

ستستمر الشّعوب في بحثها عن الحرّية، وستستمر  في البحث عن الدّيمقراطية التي غيبتها أنظمة الحكم السُّلطوية وستظلّ جذوة طلب الحرّية متّقدة عند هذه الشعوب مهما طال أمد الاستبداد وسيظل الحُلم ببناء دول مدنية يعيش فيها المواطن بكرامة وبحرية حاضراً رغم أفاعيل الطغاة ورغم محاولاتهم المتكرّرة  لقتل هذا الحلم .

 

هنيئا لتونس ولشعبها ولكل الأحرار الذين يُناضلون من أجل الحرّية والكرامة، ونتمنى أن يكون هذا القرن قرن تعميم الدّيمقراطية في دولنا،وبعد هذا الدّرس البليغ سنتفاءل لأوّل مرة ونقول إنّ حلم التّغيير باق وأن بحث الشّعوب عن طرق انعتاقها من الاستبداد لن يتوقّف، لأنّ من يملك الإرادة ومن يملك الإصرار، لا يُمكن إلاّ أن ينتصر .

 

مجموع المشاهدات: 392 |  مشاركة في:
        

عدد التعليقات (1 تعليق)

1 - سامومني 2019/10/17 - 05:38
تونس الشباب
إن الله يحب العبد الملحاح
مقبول مرفوض
0
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك