سياسة الإسفنج
الحسين أربيب
السياسة فن ، السياسة علم ، السياسة عمل نبيل ،إلا عندنا فهي غير ذلك فهي عمل غامض فيه الكثير من الطلاسم لا يفهمها صاحب منطق عادي لأن عمل السياسي ممزوج بنوع من السحر لأن فيه الخفة وسرعة المرور من صورة لأخرى ومن كلمة تسبق المعنى ومعنى يسبق الكلمة عبر إشارة غير مكتملة وهمز ولمز يعير المصطلح ولا يرده ويستولي على العبارة وتصيح مقولته ويركب السفينة لما تحترق تحته الأرض ويدخل الغابة لما تخلو من الأسود وتصير في السيرك تلعب على ظهورها قرود جامع الفناء التى صارت تعلمنا علوم التربية و كيف نلبس ،وحتى كيف نعاشر زوجاتنا. السياسة في بلادي إسفنجة (بونجة) أو ما يشبهها في كثير من الصفات،لأن السياسة بالمغرب مجال وفعل يمتص كل شيء حوله ،الشرفاء و النزهاء ،اللصوص والمحتالون والانتهازيون ، كلهم يركضون نحو كراسي الحكم والسياسة ولا تتم غربلتهم بل يصيرون مادة خام، تصنع منهم نخب وقيادات يتحكمون في مصائر الأفراد والجماعات دون موافقة ولا استئذان ،و يتم فرضهم في مناصب مسؤولية ولا خلفية لأغلبهم ، لا علمية ولا فكرية ولا تاريخية ، على جباههم ترسم عناوين من الكذب وابتسامة صفراء تخبر عن مكنونة بغيضة ومنهم تفوح رائحة تشبه من دخله الموت، بالرغم من روائح عطور باريسية استجلبوها بعملة صعبة علينا وسهلة عليهم .السياسة في وطني سفينة يركبها من لا يعرف السباحة في البحر ولكن يعوم بين صفوف التجمعات المفبركة، بعمليات جلب المواطن في الشاحنات وملأ القاعات وملئها بالتصفيقات على خطيب متلعثم بين كل الكلمات، الذي يختم كلامه بمد يده بين الحراس ليتبرك بها مواطن غلبه زمن الاحتقار وذله طول الانتظار، السياسة عندنا إسفنج إن عصرته بقوة تمزق وإن تركته ثقل وتعفن ،لأنها خلطة من نماذج بشرية لا تحمل قلبا يحب وعقلا يزن الأمور فهي تعمل بتعاليم تشبه نصائح "ماكيافيل" لعائلة "دوتشة" الملكية، وصندوق النقد الدولي ومدام" لاكارد" ، وعندما يغرق يخرج ليلعن السماء وأهل الأرض الناكرين للخير ويمن عليهم تشغيل إبن هذا حارسا وابنة ذاك خادمة. السياسي عندنا صنف عجيب من الناس له بنية وبشرة ليست شبيهة بتلك التي لدى أبناء البلد. لما يخرج للأسواق حتى الكلاب تنبح تجاهه وتلك علامة يعرفها أهل البوادي بالصكوعية .السياسيون سلسلة نووية وجينية ، كلهم لهم علاقات شخصية ومصاهرة مع زعيم كاريزمي بالمفهوم الذي استعمله عالم الاجتماع ( إرنست ترو لتش ) لا يعرفون مرارة البطالة، لأن مناصب توظيفهم لا تنتظر مشاريع قوانين المالية ليتم تعيينهم في مؤسسات الدولة الكبرى . . السياسة في المغرب اسفنجية التركيبة وكل من دخلها لا يخرج منها إلا وهو متسخ لأن اسفنج السياسة هو كذلك لا يقبل النقاء والصفاء بالرغم من أن أصل السياسة هو النبل وخدمة الشأن العام لكن لما دخل بابها كل وافد سواء من يحمل العلم في ذهنه ، ومن لا يحمله سوى على ظهره . ولقد كانت السياسة وما زالت تمسح الوسخ بالوسخ ، وتصوروا معي" التعليكة" التي تتركها تلك الخلطة التي ترسم في غرف مظلمة وتتحولق حولها شخصيات كارتونية تتحول بقدرة غير قادر أفقا ومركزا، وتتسارع قوى عالمية للتمجيد وتقديم الخدمة للسياسي الكبير ذي النظر البعيد،ليس من أجل سواد عيونه وشواربه المقوسة ،بل لضمان استمرارية استنزاف خيراتنا عبر شخصه . . السياسة في بلدنا سهلة ورطبة كالقطن، جذابة ومريحة لأنها ممزوجة بلحظات الاسترخاء والتنقل عبر الأقطار والأمصار دون نفقة الكل على حسابك وحسابي. لا عناء فيها كل شيء سلسل ورخو، لا مشاكل في البلاد ، الكل ينعم بخيرات قطرات الأمطار ، الكل فرح بعيد فيه كبش ودخان ،فلا حاجة للدخول في تفاصيل تبطل نشوة عيد ومسيرة بلد صار يصدر الدموقراطية لبلاد البترودولار. السياسة المغربية تزغرد لما يغيب الفرح كالبلهاء، لا تعرف الهزيمة ولا أزمة، خطاباتها طويلة ومنومة ترسم لنا صورا لا نعرف من أين تأتي بها ،هل من بلاد الثلج ؟ لأنها باردة ولا أثر لوجوهنا فيها تلك هي السياسة في بلادنا ولنا كثير من الحكايات ، لنتركها حتى لا نساعد على استلاء تلك السلعة الأسفنجية على عقولنا أكثر مما هي عليه .
