الرابور مسلم و .. "أكبر غلطة"!

أقلام حرة

06/12/2019 19:23:00

الصادق بنعلال

الرابور مسلم و .. "أكبر غلطة"!

 

1 -  لم تعد أغاني الراب الحديثة تثير اهتمام الفئات العمرية الفتية و الشباب بشكل خاص ، بل إنها أضحت مجال عناية من قبل المختصين بدراسة التجليات الثقافية و الأشكال الفنية المختلفة ، و ذلك لما تميزت به هذه الأغاني من سمات دلالية و فنية نوعية ، الأمر الذي مكنها أن تصبح محط تحليل و استقراء جادين ، لاستجلاء مدلولاتها و حمولاتها المعنوية بالغة العمق . و قد شهدت الساحة الفنية المغربية منذ أكثر من عقد موجة شديدة الوقع على المتلقي لهذا الغناء الشبابي الاحتجاجي ، القائم على إيقاع موسيقي خفيف و لغة تواصلية غاية في الوضوح و المباشرة ، مع قدر أكبر من الجرأة ، و القدرة على التعبير عن أعطاب المجتمع المغربي و أمراضه السياسية و الاجتماعية .. و ما من شك في أن فضاءنا الموسيقي الراهن يشهد عددا كبيرا من الشباب الذين اتخذوا من الراب وسيلة فنية للبوح بآلام و آمال المحرومين ، و يعد محمد المزوري المعروف فنيا بلقب "مسلم" من أبرز الأسماء الوازنة في هذا السياق ، بفضل نهجه المعتدل في اصطفاء حقله المعجمي غير الصادم ، و المفردات القريبة من إدراك المتلقي "البسيط" ، و تركيزه على التيمات الاجتماعية و الأخلاقية أكثر من تعاطيه مع القضايا السياسية "الجريئة" . فإلى أي مدى يمكن الزعم بأن أغنيته الشهيرة "غلطة الوالدين" يمكن أن تلخص مجمل المكونات الدلالية و الجمالية لهذا الفنان الذي "ملأ الدنيا و شغل الناس" في المنجز الغنائي الراهن !؟

 

2 -  اشتهر "مسلم" بمجموعة من الأغاني التي يحفظها الجيل الجديد عن ظهر قلب ، من قبيل التمرد والمرحوم و الزنقة و يما ، و هي كلها تخضع لنسق بنيوي بالغ التنظيم ، يتضمن عددا من المقاطع المختلفة الطول ، تفصل بينها لازمة تحمل فكرة مكثفة و تضمن الانتقال السلس من وحدة معنوية إلى أخرى ، مع الاستناد إلى الضوابط الإيقاعية والجمل غير المتطابقة في الحجم ، و تعدد القافية و الروي و الصور و الرموز ذات المنحى الجمالي الإيحائي ، كما هو الشأن في هيكلة القصيدة الشعرية الحديثة .   و نص الأغنية قيد المعاينة التحليلية يحمل عنوان "غلطة الوالدين" و الذي يعود إلى سنة 2014 . يتكون هذا النص من ثلاث وحدات فنية تدور حول موضوع اجتماعي بالغ الخطورة يتمثل في "الطلاق" ، يبدأ المقطع الأول ب ( ظنيتوا باللي الحل كان الفراق ) و ينتهي ب ( بقاو فبالي الذكريات ما كرهتشي نقلعها من عرقها ) ، و يستهل المقطع الثاني ب ( ما عرفتشي كيفاش جمعكم القدر ) و يتوقف عند ( حكاية طفل صغير دفعها ثمن أخطاء الوالدين ) ، أما المقطع الأخير فينطلق من ( الأحاسيس فقلبي مخلطة ) و يخلص إلى ( كيف ما كان الحال كتبقاوا الوالدين ) .

 

منذ مستهل هذه الصرخة المدوية في وجه الآباء ، ينهض النص شاهدا على أنانية الأبوين و عجزهما غير المبرر في البحث عن إقامة جسور التفاهم و الوئام ، و البحث عن ضفة آمنة تضمن الاستمرارية و الذود عن مصالح الأطفال و حماية مستقبلهم من الضياع المحقق في لحظات التجاذب و تقاطع وجهات النظر ، و قد توجه الخطاب إليهما بلغة ملؤها الضجر و الرفض و الأسى : ( كنتوا حاصلين – كنا احنا المصيدة – اسمحتوا فينا – في طرقاتكم البعيدة – مشيتوا بلا ما دوروا اللور-  تفتشوا على السعادة ! ) مما جعل حياة الأبناء عالما من الأحزان و العقد و القلوب غير الرحيمة ، مفتقدة للحنان الظليل ، و الأحضان السخية  بالضحكة البريئة . إن النص بمثابة لوحة فنية عميقة السواء و الشعور بالمرارة و الضياع و الوحدة .. لا بل إن خطيئة الأبوين العصيبة تتمظهر في اللامبالاة و الهوة السحيقة التي "تنتظر" فلذات الأكباد : ( انتوما اخترتوا البداية – و اخترتوا حتى النهاية – بلا ما تفكروا لحظة – بللي احنا غير ضحايا ! ) ، و كأن الحياة الزوجية مجرد لعبة أو مزحة بمنأى عن قيم المسؤولية و الالتزام و التضحية ، و كأنها كتاب تطوى صفحاته بيسر دون اعتبار للمبادئ الإنسانية الرفيعة ، أقلها الحماية المثلى للعش الأسري النواة الأولى للمجتمع ككل . و يمكن القول بأن البنية الدلالية العميقة لهذا النص / الأغنية تتجلى تحديدا في  الإشارة الحافلة بالنفس الدرامي و الذروة المـأساوية الحادة ، حيث ( أقرب الناس في الكون – غلطوا فحقي – أكبر غلطة – هجروني فأضعف لقطة ) ليس هنا أصعب موقف أمام النفس البشرية من الإحساس الدامي من فراق الوالدين و ابتعادهما عن البعض بقرار و تخطيط و إرادة ، و الارتماء في أحضان حياة أخرى و علاقات مخالفة ، لن تكون بالضرورة الحل الأمثل للبحث عن "السعادة" ، و القبض على "الزمن الهارب" .

 

3 -  يأبى هذا النوع الغنائي الثائر إلا أن يكون وفيا لجراح الفئات الشعبية المنسية و حقها في التطلع إلى غد أفضل ، هذه الفئات المعرضة لكل أنواع التمييز و الحيف و اللامساواة .. كما أنه مصر على انتهاج سبيل تعرية الواقع الاجتماعي الحافل بكل أشكال المعاناة و الحرمان و الفساد بشتى ألوانه ، و فضح مسلكيات الاستبداد الفردي و الأسري و السلطوي .. بغية تفكيك البنيات العميقة للتحكم المجتمعي ، و المساهمة الضئيلة في بلورة تجربة سياسية وطنية ، تنهض على القيم الديمقراطية الكونية من عدل و حرية و كرامة إنسانية ، كل ذلك في صوغ لغوي محكم ، يوازن بين بلاغة الوضوح اللغوي و عمق المستوى الرؤيوي و جمالية الإيقاع الموسيقي الرحب .

 

 

 

مجموع المشاهدات: 679 |  مشاركة في:
        

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك