اشكالية محاربة الفساد في المغرب
التهامي فضيل
بعد استقلال المغرب ، و بدأ بناء مؤسساته السياسية و الدستورية ، بدأ الحديث عن محاربة الفساد و المفسدين من ناهبي المال العام ، ومستغلي مواقعهم السياسية ، و قربهم من الدوائر العليا للقرار لمراكمة الثروة ، إيمانا منهم ان هناك علاقة حميمة بين المال و السلطة، واستحضارهم منطق ازدواجية المصالح بين مالكي الرأسمال، و صناع القرار السياسي.
فحين وصول رياح التغيير إلى المغرب، والذي كان الفساد من بين أسبابه ، تعاطت الدولة المغربية مع الحدث بشكل سهل عليها تجاوز الحراك، و تفادى تكرار النموذج التونسي أو المصري، لتعمد بالقيام بإصلاحات دستورية وسياسية عبر إجراءات عاجلة: بدءا بخطاب 9 مارس، مرورا بالاستفتاء الدستوري ووصولا بتنظيم انتخابات تشريعية، التي أوصلت حزب " العدالة و التنمية " إلى رئاسة الحكومة، بزعامة السيد " عبد الإله بن كيران ". هذا الاخير بدوره حمل مشعل محاربة الفساد والمفسدين، و اتخذه كأساس في فلسفته، و برنامجه الحكومي. ليخرج الى المغاربة عبر وسائل الاعلام الرسمية منصبا نفسه على انه هو " المخلص " من شبح الفساد الذي نخر المغاربة عموما، و الطبقات المتوسطة و المسحوقة بصفة خاصة، حتى صار المواطن المغربي فاقد للثقة في الادارة و الفاعلين السياسيين، و العمل السياسي بشكل عام. لتكون نسبة المشاركة السياسية المتدنية خير دليل على ذلك ( استحقاقات 2007- 2011 )، لكنه ( رئيس الحكومة ) سرعان ما تراجع عن خطاباته الشعبوية التي افتقدت إلى ذكاء و دهاء سياسيين، والتي لم تحتكم إلى تحليل علمي ملموس، عبر استحضار الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلد : فسياسيا مازالت شروط الاحتجاجات قائمة، بل ازدادت حدتها.. و اجتماعيا مازالت المطالب الاجتماعية لكل فئات الشعب المغربي لم يتحقق منها شيء، أما من الناحية الاقتصادية لم يتم استحضار الأزمة الاقتصادية للمنطقة " الأورو " و تداعياتها على الاقتصاد الوطني، باعتبار هذه المنطقة الشريك الاول للمغرب....كل هذا لم يتم توليفه أثناء إخراج رئيس الحكومة للسياسات العمومية، هذا إن سلمنا جدلا أنه قادر على إخراج هذه السياسيات إلى الواقع دون املاءات فوقية...وما زاد الطين بلة تكريس مقولته الشهيرة " عفا الله عما سلف "، و تصريحه في العديد من الخرجات الإعلامية ( والتي أحدثت من خلالها أزمات سياسية....) انه ليس ممكنا القضاء على الفساد والمفسدين، متناقضا بذلك مع تصريحاته السابقة قبل حصوله على الاغلبية وبعدها مباشرة.
فتحليل مضمون هذا الخطاب يبين عمق إشكالية محاربة الفساد و المفسدين بالمغرب، و السيد رئيس الحكومة نفسه أدرك فيما بعد صعوبة محاربه هذه الظاهرة، لأنه " ليست بيده حيلة " كما يقول المغاربة دائما، أو مغلوب على أمره ، فالإشكال أعمق و أكبر حتى من منصبه كرئيس حكومة، وهذا يطرح مدى حضور وعدم حضور رئيس الحكومة، وموقعه الحقيقي داخل النظام السياسي المغربي، ومدى قدرته على ممارسة حتى صلاحياته الضيقة التي منحها له دستور 2011. وقد اتضح هذا بشكل واضح في تعيينات الملك محمد السادس للسفراء وعدة شخصيات مدنية أخرى ...و الحضور القوي للمستشارين الملكيين أثناء الزيارة للدول الخليج ، حيث ظهر الحاملين للشرعية الانتخابية في مؤخرة الصفوف...هذا يمكن ان يؤشر على وجود ما اصطلح عليه في ادبيات العلوم السياسية و الانتقال الديمقراطي ب " الدولة العميقة " ، اي دولة داخل الدولة ، و حكومة داخل الحكومة ، و حزب داخل حزب....
لنخلص الى القول ان محاربة الفساد ليس امرا سهلا على اعتبار ان هذا الاشكال هو اشكال بنيوي ، يتطلب اعادة النظر في البنية السياسية و الاقتصادية و حتى الاجتماعية ، يتطلب ايضا معالجة العلاقة بين الرأسمال المالي و السلطة السياسية . اضافة الى اعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تجمع بين هرم السلطة و محيطها ، بتعبير الفيلسوف الفرنسي المرموق " اتيين دي لا بويسيه ".
