المستشارون والمرض النفسي
الحسين أربيب
لم تكن تلك ملاحظتي، بل إقرار من وزير الصحة المغربي أمام مجلس المستشارين ، بأن نصف الشعب المغربي مريض نفسيا وبالتالي ،وإذا كانت التمثيلية حقيقية ، فنصف البرلمان بمجلسيه مرضى نفسيين ، وبالتالي وجب علاجهم، غير أن علاج نائب برلماني ليس كالعلاج العادي الذي يجب أن يخضع له المواطن المريض، لأن البرلماني تكون شخصيته مركبة ومعقدة لأنه يمثل علينا دور الشخص الذي يفهم في السياسة ، ويعتقد أنه يتوفر على قوة كارزماتية لأن كل الأبواب تفتح له في الإدارات والمستشفيات و في الطرقات تقدم له التحية من لدن القوة العمومية بمجرد تقديم بطاقته التي فيها الخط الأحمر والأخضر ، شخص البرلماني ليست شخصية عادية فهي تتقمص الأدوار وتتلون وفق الموقع وتتغير حسب مصالحها الذاتية، فبسرعة تستطيع أن تنتقل من حزب الاستقلال اليميني والمحافظ الى حزب شيوعي الأصل كحزب التقدم والاشتراكية الذي تخلى عن النهج الماركسي ، ومن ثمة الى حزب التراكتور حزب الأصالة والعاصرة ، الذي ولد ولادة قيصرية وفي فمه معالق من ذهب، وتستمر عملية الترحال من خيمة الى أخرى وتغيير المعاطف من معطف الى آخر ليس بحثا عن ثوابت مبدئية وقناعات فكرية ولا عن توجهات سياسية بقدر ما يجعل هذا التحرك والتردد من هيئة الى أخرى مثار حديث العامة والخاصة وموضوع مراسلات إدارية وحكومية ومادة تتناقلها الصحف وتجرى على أساسه الاستجوابات التلفزية والإذاعية مما يحرك في نائبنا المريض ، عافاه الله ، وعافانا معه، نرجسيته التي تقف به وسط قاعة الجلسات ، ويتسمر للنطق بكلمات من تدخل لم يكتبه ولم يحاول التدرب على قراءته إلا في اللحظة الحاسمة التي أعطيت له الكلمة ، ليحدق في الحرف فيركن لسانه في موضعه ولا يتحرك مما يشد انتباه اليه من الحاضرين الذين مروا بنفس الحظة التي تنشف فيها الريق ولا تخرج الكلمة من الفم لأنها في الواقع لم يكن منطلقها من القلب ، وبالتالي لن يحس بها هو ولا يسهل على اللسان النطق بها . وحين تخرج فإنها ممزقة وشاردة عن سياقها كما لو سقطت في بئر مهجور ليس به ماء ، فتلتقطها أذن لم تكن هي الأخرى مستأنسة بمثل تلك الكلمات التي أقحمت في تدخل ما كان ليكون لولا ضرورة السؤال وضرورة الظهور في الشاشة الباردة لتستمر الأكذوبة وتنطلي الحيلة السياسية على مواطن في أقاصي البلاد لما تأتيه الأخبار من رواد السوق الأسبوعي، عن نائبهم الذي ظهر في التلفزيون يصرخ في وجه الوزير عن سبب التأخيرلأنجازطريق كانت مبرمجة منذ أكثر من عشر سنوات ووضعت لها الدراسات ورصدت لها الميزانية ، ولم تر النور لحد الأن. فالمرض النفسي يعالج كباقي الأمراض ولم يعد في الدول المتقدمة ينظر اليه كما نراه نحن بأنه مس من الجنون وأنه " مسكون ومضروب وروحاني ومهبول" و ما الى ذلك من المسميات التي تبين مدى تعدد أوجه تخلفنا عن فهم المرض النفسي في كل تجلياته ، وبالتالي صعوبة ايجاد العلاجات المناسبة التي تتطلب أولا علاج المجتمع ، الذي قال عنه وزير الصحة أن نصفه مريض نفسيا، وتلك ملاحظة يجب أخذها في الاعتبار لسن سياسة صحية نفسية جماعية تبدأ بتوفير ظروف الحياة الضرورية من تعليم وشغل وتربية وتطبيب وسكن لائق لكرامة الإنسان ، فالفقر الذي يسكن كل أرجاء الوطن هو وحده قادر عن تصنيف نصفنا من مرضى النفسيين ، وما بالك عن الجهل الذي ينخر عقولنا ويجرنا لغابة الظلام . ثم ما موقع السياسة من مرضنا النفسي ، اليست هي السبب في حالتنا النفسية ؟ بحيث تعدنا بجنة عدن ولم نر سوى العصا توزع بالمجان في شوارع الرباط وفي كل المدن التي تخرج لتعبر عن معاناة الزمن السياسي الذي صنعت منه الحكومات المتتالية متوالية هندسية تبين مدى التطور الكمي والكيفي في اتباع سياسة ممنهجة في كل المجالات ، سياسة منغلقة لا تعير الاهتمام لذوي الدخل المحدود ولا للعاطل على الدوام ولا للشباب الذي يتشرد في الطرقات متعاطيا للمخدرات والتقرقيب والسلسيون ، ولا تلتفت لجيوش من المتسولين الذي يخيطون بأجسامهم الهزيلة طرقات المدن ودروبها في غياب تام للحكومة ، لا نقول القضاء التام على تلك الظواهر التي هي نتاج لسياسة الحكومات المتعاقبة ، في لحظة واحدة. ولم لا؟ وإلا على الأقل البحث عن أسبابها والعمل للحد منها من خلال برامج عملية وليس خطابات وحلول ترقيعية . ألا يمكن لكل عمالة وإقليم جماعة حضرية وقروية أن تشغل 10 أطر من المعطلين، وهي عددها يفوق 3000 ؟ إذن العملية الحسابية واضحة ، ناهيك عن إلزام الوزارات والمؤسسات العمومية والأبناك والمقاولات والمعامل ، مع القيام بتحفيز للخواص، إما بإعفاء ضريبي أو تسهيل في استيراد مادة أو أجهزة تشتغل بها الشركة ، فالحلول موجودة ولكن الإرادة هي التي تنقصنا، أم أن السياسة عندنا ك " الكرش الشبعانة لا تحس بالجوعانة"؟ على كل حال مهما كان المرض الذي يصيبنا فلا نريد أن نمرض بالفقر لأن سوء التغذية وفق منظمة الصحة العالمية هي من أسباب العديد من الأمراض العضوية ولم لا حتى النفسية ؟
