لغتنا... الجميلة!

لغتنا... الجميلة!

مصطفى المسناوي

 

بخلاف ما يعتقده كثير من الناس، فإن المستقبل المغربي الرنـّان لم تعد تصنعه الشخصيات الكبرى التي يتم الترويج لها في وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية والمسموعة المرئية، ولا «الشخشيات» التي تقوم منابر صحافية معلومة بجمعها من حين إلى آخر في رزم متنافرة توضع لها عناوين من قبيل «المائة الأهم» أو «الخمسين الأهم» في البلاد، بقدر ما يصنعه (أي المستقبل الرنـّان البازغ في العلا) أشخاص مجهولون يختفون في الظل ويوجهون الجميع نحو أهداف هم وحدهم من يعرفها دون أن يكون بمستطاع أي أحد مناقشتهم أو مواجهتهم، بالضبط لأنه لا أحد يدري من هم ولا أين يختبئون أو كيف يحركون الخيوط هنا وهناك.
من ضمن المجالات التي تبرز فيها هذه الحقيقة أشد بروز يمكننا أن نشير إلى نقطة محددة هي نوعية اللغة التي تعمل القنوات التلفزيونية العمومية والمحطات الإذاعية الخصوصية، بدأب وهمة ونشاط، على ترويجها وسط المجتمع المغربي، وذلك على نحو قد يعتبره بعض «المتزمتين الرجعيين» مخالفا لكل المقتضيات التي جاءت بها دساتير البلاد المتعاقبة، بعيدا عن المنطق السليم، وجاهلا بشروط تواصل بلادنا مع جواره ومع محيطه الجغرافي بصفة عامة.
لنتابع، مثلا، هذه الجمل التي جاءت في حوار جرى بثه على إحدى القنوات التلفزيونية العمومية: «احنا لا بد ما «نكونصوميو» الثقافة»، «نمشيو نقلـّبو على «البيبليك»»، «عندنا شوية ديال الإكراهات حيث «البروجي» ما زال ما واضحش»، «وما ننساوش باللي عندنا بزاف ديال «لي كومبليكس كيلتيرال»»، «زيادة على «لي روسورس إيمان» ما «مفورمينش» باش يكدو يخدمو».... قد يطرح هؤلاء «المتزمتون» على أنفسهم أسئلة تتعلق بنوعية الجمهور الذي تتوجه إليه مثل هذه الجمل، وهل هو من سكان سطح الأرض أم ممن يسكنون تحتها (باسم الله الرحمن الرحيم)؟ كما قد يتساءلون حول قدرة متابعي برامج التلفزيون المغربي على فهم كلام من هذا النوع؟ وربما يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقول قائل منهم إن هذه «الاجتهادات» اللغوية مشبوهة وإنها تدخل ضمن نطاق مؤامرة كبرى تسعى إلى تدمير ثقافتنا الجميلة بكل إمكاناتها التواصلية؛ لكن هذا غير صحيح البتة، لأن هذه الجمل ومثيلاتها لا تتوجه إلينا نحن (بحكم أننا انتهينا وصرنا «أجيالا نازلة») ولكنها تتوجه إلى المستقبل، أي إلى «الأجيال الصاعدة»، مساعدة إياها على بناء لغة جديدة لا شك أنها «ستبزّ» بها العالمين (أي تجعل العالم كله يقف مشدوها أمامها وهو يقول: «بازّ»)!
صحيح أن الخلط بين اللغتين، العربية الدارجة والفرنسية، بالطريقة التي يتم تسويقه بها من قبل وسائل إعلام عمومية وخاصة، قد يكون دليلا على عدم التمكن من اللغتين معا، لكن: من قال لنا إن التمكـّن من اللغتين، أو من أية لغة على الإطلاق، شيء جيد؟ لقد ظهرت لدينا اجتهادات جديدة ومتطورة في مجال علم اللغة يقول أصحابها إن الإنسان المعاصر (وخاصة المغربي منه) ليس في حاجة إلى اللغة لكي يتواصل، وإن اللغة الفطرية، أو لغة الإنسان الأول، المعتمدة على الهمهمة وعلى الحروف الحنجرية (أي الصادرة من الطنجرة، عفوا من الحنجرة)، كافية لتحقيق تواصل أمثل بين المواطنين السائرين في درب العلا (البعيد عن درب لوبيلا، طبعا) نحو المجد والسؤدد. وقد شرعنا في تطبيق هذه الاجتهادات على مدرستنا العمومية (والخصوصية) طيلة العقود الثلاثة الماضية بحيث وصلنا والحمد لله (الذي لا يحمد على مكروه سواه) إلى نتيجة تاريخية تتمثل في «تفريخ» مئات الآلاف من المواطنين الذين لا يتقنون العربية الفصحى ولا الفرنسية ولا الإنجليزية ولا أية لغة بشرية أخرى. والمطروح الآن هو أن ينسوا حتى اللغة العربية الدارجة، وتلك مساهمة جبارة تقوم بها وسائل إعلامنا العمومية والخاصة، المسموعة والمرئية، قصد مساعدتنا على الخروج من التاريخ ودخول العصر من نوافذه المفتوحة على المجهول.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة