مسألة نفسية
عبد الله الدامون
عندما كان الناس يضربون الأخماس في الأسداس ويخمّنون من يكون الفائز في الانتخابات الأمريكية، كنت مثل عراف من القرون الغابرة وتأكدت مليون في المائة من أن باراك أوباما سيكون الفائز، ليس لأنني محلل صنديد، بل فقط لأني أجنح نحو التحليل التاريخي والنفسي أكثر مما أقتنع بتلك التحاليل الفاقعة التي تغرقنا بها الصحف والفضائيات.
الأمريكيون كان لا بد أن يعطوا أوباما ما يعطونه لباقي الرؤساء، لأن أغلب الرؤساء الأمريكيين استنفدوا ولايتين كاملتين، باستثناء أولئك الذين سقطوا في أخطاء مروعة، مثل جيمي كارتر الذي فشلت خطته البئيسة لإنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين في إيران، أو جورج بوش الأب الذي غضب منه اللوبي اليهودي في آخر لحظة.
كان لا بد لأوباما أن ينجح لسبب آخر، وهو سبب نفسي بالدرجة الأولى؛ ففي أمريكا لوبي عنصري قوي. صحيح أن البلاد تبدو وكأنها نسيت تلك الأيام المقيتة، لكن في عمق نفوس كثير من الأمريكيين لا تزال أمريكا بلونين، واحد أصلي اسمه الأبيض، وآخر دخيل اسمه الأسود. لهذا السبب كان لا بد أن يستنفد أوباما ولايتيه كاملتين حتى لا ترتفع أصوات السود الأمريكيين بالقول إنهم لم يأخذوا حقهم كاملا من حكم أمريكا، أو إنهم تعرضوا للغبن لأن رئيسا أسود «ناجح» لم يحكم أمريكا أكثر من ولاية واحدة. لو كان أوباما سقط لظل السود الأمريكيون دوما يتوقون إلى تقديم مرشح أسود جديد، وبسرعة، لأنهم سيظلون يعتقدون أن حقوقهم التاريخية هُضمت.
الأمريكيون السود يعتبرون أنفسهم أكبر الأقليات مهضومة الحقوق في بلد بناه أجدادهم بسواعدهم ومعاناتهم بعدما تم استعباد الملايين منهم. لقد كان أجدادهم أكبر وليمة لحيتان المحيط الأطلسي على مرّ التاريخ، لأن سفن العبيد ألقت بمئات الآلاف من المرضى والموتى منهم في البحر خلال عمليات شحن العبيد من إفريقيا نحو أمريكا، ولهذا السبب بالضبط كان سيكون من المحزن أن ينتخب أول رئيس أسود لأمريكا مرة واحدة، ثم يعود رئيس أبيض ليطرده من البيت.. فاقع البياض.
فوز أوباما في الانتخابات كان مسألة بديهية لسبب آخر، وهو أن أمريكا يحكمها لوبي قوي غير ظاهر، لوبي الاقتصاد ومصانع السلاح، أي لوبي الحرب بشكل عام، وسواء كان رئيس أمريكا أسود أو أخضر أو وردي الوجنات، فإن السياسة العامة للبلاد لا تتغير، وآلة القتل الأمريكية تواصل عملها دون أن تنتبه إطلاقا إلى اسم أو لون رئيس البلاد.
قضية نجاح الرؤساء تبدو، في غالب الأحيان، مسألة نفسية وليست متعلقة بتصويت الناس عليهم؛ ففي فرنسا لم يقم نيكولا ساركوزي بأقل مما كان يجب أن يقوم به أيُّ رئيسٍ فرنسي، لكنه انهزم بعد ولاية واحدة ليس لأنه فاشل، بل لأن نفسية الناس لم تتقبله.. إنه رئيس لا يمثل عجرفة الفرنسيين وميولهم الواضحة إلى المظاهر والـ»إيتيكيت».
في بريطانيا، تحولت مارغريت تاتشر إلى أسطورة لأن البريطانيين ارتاحوا كثيرا لقبضتها الحديدية في مواجهة نقابات مناجم استأسدت أكثر من اللازم وأعادت إلى البريطانيين أحاسيسهم التاريخية بدكتاتورية الثورة الصناعية وبقوة الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. كانت تاتشر امرأة تعرف كيف تدغدغ الأحلام التاريخية للناس فتحولت إلى نسخة ثانية للملكة فيكتوريا.
وفي أمريكا اللاتينية، يصوت الناس على أشخاص يرتاحون إليهم رغم أنهم يعرفون أنهم لم يغيروا الكثير في حياتهم؛ ففي البرازيل أوصل الناس ماسح أحذية سابقا إلى رئاسة البلاد، وفي فنزويلا صار العسكري الانقلابي هوغو تشابيث رئيسا شبه أبدي، وفي الأورغواي وصل رجل إلى رئاسة البلاد وظل يركب أرخص سيارة، وفي بوليفيا يلعب رئيس الجمهورية الكرة في الأحياء الشعبية.
في أماكن أخرى، يصل أشخاص إلى الحكم لأن ظروفا معينة أوصلتهم وليس أصوات الناس؛ ففي المغرب وجد رجل اسمه عبد الإله بنكيران نفسه رئيسا للحكومة بعد أن كان حزبه، قبل بضع سنوات فقط، محط نقمة كبيرة من طرف أجهزة وازنة في الدولة، بل إنه كان على وشك الحل. كما أن حزب بنكيران كان يتفاوض، خلال انتخابات سابقة، على التخفيض من عدد مقاعد حزبه التي فاز بها، وذلك «من أجل المصلحة العامة وحفظ أمن البلاد»، هذا يعني أن الناس كانوا يصوتون عليه من قبل فلا يصل إلى الحكم، لكن اليوم وصل لأن الظروف تطلبت وصوله، وعندما تنتهي الظروف، سيعيدونه إلى سيرته الأولى كما لو أنه لم يكن.
