الثورة والدين
مليكة مامان
عادت صديقتي سماح لتوها من زيارة لبلدها تونس, عادت بعد ثلاث اشهر كاملة من اعتزال الغربة الفاجرة والاعتكاف بمحراب الوطن الزاهد .غيرت اتجاه قناتي التلفزية فأي برنامج فيه شئ من العري، أو الاختلاط، أو كلام عن الحب أو أي شئ من هذا القبيل ... غير جائز للفرجة في حضرة سماح.
جلسنا، وجلسات الغربة حنين وأشجان ,سالتها بشغف وفضول عن البلد والثورة عن الناس والاقتصاد والأمن... لكنها حمدت الله وبابتسامة رقيقة اخبرتني ان الامور كلها بخير?. نظرت اليها بريبة وضحكت، ربما من كميات "الهريسة" التي حملت لي اكثر من اي سبب اخر، فسماح لا يمكنها ان تتحدث بسوء عن حكم النهضة، فهي متشبعة بافكارهم، تصلي كل جمعة في المسجد، تحرم التعامل والصداقة مع الكفار،ترفض أننا نقيم بأرضهم بل هي أرض الله، حتى كلامها يكون احيانا منبثقا من الدين حتى ولو غاب المعنى.
فالسلام عليكم في الهاتف تعني الو.
لا اله الا الله محمدا رسول الله تعني بها انها قد نست امرا ما ويجب ان أذكرها.
استغفر الله بمعنى اني ارتكبت جنحة ما في القول او الفعل...
سماح تبعثر لي كل الاوراق…
حتى وجهة نظري حول عدم الخلط بين السياسة والدين, وأن السياسة للساسة، يلعبون بقواعدها، يُقتٌلون من أجلها أو يزهدون في الله من إغوائها، يكذبون، ينافقون، يمارقون، يسرقون،... كل شئ من أجلها، أما الدين فهو لله، هو التقرب والتضرع، بل هو علاقة الانسان مع خالقه دون وساطات، حتى وجهة نظري هذه فهي وجهة نظر كافرة بحسب صديقتي, تقودني إلى نار جهنم ,لكني اتشبت برايي رغم تكفير سماح لي, من يمارس السياسة باسم الدين اما وصولي او ساذج,
صاحب الدين إذا ما ابتلاه الله بالسياسة فلا يجب ان تتعدى النصح والارشاد للحاكم والصدع بالحق وعدم الخوف في الله لومة لائم وإفتاء الناس في أمور دينهم.
إن أعظم ما يشق علي قراءته من النزر القليل الذي أقرأه، تلك المتعلقة بتاريخ الإسلام وبالضبط حقبة ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عرفت الفترة ما عرفت من الفتن والقلاقل وقتل عمر وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة في صلاة الفجر، وأيضا قتل عثمان في منزله يقرأ القرآن وهو الذي نسخ القران الكريم وأرسل نسخ منه إلى مختلف الولايات الإسلامية.
وبلغت الفتنة أشدها مع خلافة علي كرم الله وجهه حيث قُتل خيرة رجالات الإسلام كطلحة والزبير وخرجت عائشة في موقعة الجمل...تلاها بعد ذلك مقتل علي ومن ذريته.
إنه بالرغم مما عرفته فترة الخلفاء الراشدين من قوة وتوسعات إلا أنها تظل فترة المكائد والصراعات والانقسامات والتقتيل لأغراض سياسية ولتعارض المصالح، حتى إنني تمنيت لو كان عفا التاريخ عن تأريخها. أليس في ذلك موعظة لأولي الألباب? فقط الأنبياء والمرسلين بزهدهم، و جوعهم، و عريهم، واضطهادهم، واستماتتهم في تنفيذ أمر الله... من استطاع أن يقنع الناس برسالة رب السماء.
فالسياسة ليست إلا امرأة غانية كلما زاد عشاقها كلما زادت فتنتها لهم وقاتلتهم فيما بينهم لتنام مع الأقوى دون وفاء له.
سالت سماح بإصرار مرة ثانية، فضحكت وما أجمل ضحكتها، قبل ان تنهار وتحدثني ان حال البلد بلاء وشدة، وان الحاكم الفعلي هو الفوضى، اخبرتني ايضا انه من لم يكن لصا في بلدها قد اصبح لصا ومن لم يكن قاطع طريق قد اصبح كذلك، وان الناس خائفة على نفسها، مالها، ولدها، وحتى عرضها حدثتني بإسهاب شديد عن الانفلات الأمني ومعاناة الناس حتى اغرورقت عيناها بالدموع،... قبل ان تخلص الى القول باننا شعوب لا ننضبط الا تحت قوة القمع والاضطهاد، وان الاستبداد هو الوسيلة المثلى لحكمنا.
تملكني الغرور حتى اخمص قدمي لاننا شعب لم نتورط مثلهم، وحافظنا على ما كنا عليه، بل الادهى من ذلك تمنيت لو انفض الغبار عن المرجعية البصرية والفاسية لاعيدها الى الواجهة, لولا تذكري ان هذه مستمدة من تلك, او كما كانت تقول عمتي(اللي احضر يسبب).
نحن لم نرق دماء ولم نقم بثورة، إننا ذلك الشعب الذي يتدثر بجلباب أبيه، نحن الإستثناء، لا نثور إلا حينما يفتي احدهم في الجزر أو في عرض أمه وأخته، أو شلح في تامسنا، وتبلغ الثورة أوجها وتوشك أن تأتي قطوفها مع لقاء الديربي أو مباريات الليغا.
شكرا لمن عرف من أين يأكل منا الكتف، شكرا لمن جعل سجون بلادي أكثر من جامعاتها يحق لكم ان تعفون عن بعضكم وأنتم تنهبون خيرات بلدنا نحن بلد الأفراح نحن بلد موازين... والآن لا يحق لي وأنا العروبية التي لا تجيد غير لغة المحراث إلا أن أردد وراءكم:
زيد دردك، عاود دردك.
