عندما يتجسد الفساد : بناء مضاد للزلازل

عندما يتجسد الفساد : بناء مضاد للزلازل

عبد الهادي وهبي

 

          صدر في  الأشهر الأولى من السنة الحالية  ، تقرير اقتصادي صادم حول الرشوة و الفساد في العالم العربي ، حيث شمل التقرير حولي 20 دولة عربية تصنف في خانة النمو المتوسط ، ومن بينها المغرب ، لكن التقرير ركز على كل الأسباب التي تقف أمام المشاريع التنموية داخل العالم العربي ،و التي تدخل في إطار عام هو الفساد ، ونظرا لتعدد أشكال الفساد ، فان التقرير توسع وتعمق في مصادر تصريف أموال و عائدات الفساد التي يجنيها الفاسدون من المؤسسات العمومية و شبه العمومية و المؤسسات الخاصة ،و التي اغلبها تعمل في ظروف خارج قوانين الشغل ، او حقوق العمال .

      ورغم تعدد مصادر تصريف أموال الفساد ، فإنني سوف أناقش احد هذه المصادر للتصريف وهو العقار أو الاستثمارات العقارية ، فلماذا اخترت العقار تحديد؟ و ان أتجول في احد الشوارع الكبرى بمدينة الدار البيضاء ، أثار انتباهي مشروع سكني ، كتب على  لا ئحته الاشهارية  " بناء مضاد للزلازل ''   غرابة هذا الإشهار متعددة الجوانب ، فهي تدل على جهل تام لدى  كثير من المنعشين العقاريين حول الوضعية المادية الضعيفة  لأزيد  من 80 في المائة من المغاربة بالمدن و البوادي على حد سواء ، ومن جانب آخر لما قرأت الإشهار ، اعتقدت أنني في إحدى دول جنوب شرق آسيا حيث ناطحات السحاب ، وحيث المواطنة  الحقيقية ،  و الغرابة وعلى بعد مترين من المشروع ، تتراى عشرات دور الصفيح إلى جانب هذا المشروع الغريب و العجيب .

   كذلك هذا الإشهار ، يدل على ان هذا الفاسد ، يعيش خارج المغرب ، وفي أبراج دبي او برج ايفيل او برج طوكيو او برج واشنطن ، ولا يحس أصلا بالزلزال الحقيقي الذي يضرب المواطن المغربي البسيط يوميا عبر أمثاله المتحكمين في أسعار المواد الغذائية و الصحية و النقل  آو زلزال البرد الشديد الآن الذي المناطق النائية في الجبال و" الوطية"  أي السهول الداخلية   

   ندخل الآن إلى الأهم ، ولنعرف حقيقة هذا الفاسد ، هو قد لا يعلم ان  المواطن المغربي البسيط  الذي يقطن  في أحياء  الصفيح ، أو يقع تحت سومة الكراء منذ سنوات ، لايريد  سوى شقة تحفظ كرامته ، أما الزلازل ، فالمواطن المغربي مواطن مسلم يؤمن بالقدر غيره وشره ،ولا يهاب الموت او الوفاة لأنها مصيرنا المحتوم ، أما إذا كنت أيها الفاسد تخاف وتهاب  الوفاة ، فهي مصيرك ،ومصير  7 ملايير نسمة في هذه البسيطة ،

   ولكن السؤال الاهم هو لماذا يختار المفسدون العقار تحديدا  ؟

 الجواب معروف ان المشاريع العقارية من المشاريع الاستثمارية ذات المرودية الضخمة ولكن المرتبطة بالمدى المتوسط و البعيد ،وهذا يتناسب مع أهداف الفاسدين الذين يبحثون عن مشاريع بعيدة المرد ودية ،و بالتالي فالفاسد يريد فقط ان يدفن ويخفي '' مال الفساد'' وخاصة انه أصبح متابعا في الابناك و البورصات الوطنية و الدولية ، وعندما أصبح مرتقبا أيضا في '' عمليات تهريب الأموال إلى  المؤسسات البنكية الأجنبية في سويسرا وفرنسا و اسبانيا ،وبشكل عام الدول الأوربية القائمة على الدعائم المادية من اموال وغيرها  ، و من الحيل الأخرى التي يلتجأ إليها الفاسد لإخفاء مال الفساد داخل العقار هو ما أصبح يعرف في الأوساط العقارية ب'' التسبيق'' إي"" النوار ""  ، والمشكلة أولا أن هذا التسبيق غير قانوني وغير مشروع ، يجعل هذا الفاسد يتهرب من الضرائب القانونية المفروضة عليه من طرف القوانين المنظمة للمشاريع العقارية ،  ثم انه مرتفع ،وهذا أمر مقصود من هذا الفاسد ، فهو يطلب تسيبقا مرتفعا  قد يصل إلى النصف من  الثمن الحقيقي للشقة او الصندوق ، لان هذا الارتفاع هو الذي يجعل هذا المال المصروف في العقار يبقى في المشروع السكني سنوات طوال ، و كل الأدلة موجودة في جميع نواحي الدار البيضاء ،وقس على ذلك المدن الكبرى و الصغرى من الشمال إلى الجنوب ، فأنت تشاهد عشرات المشاريع السكنية الفارغة عشرات السنين ،وتحيط بها الآلاف أحياء الصفيح  . هل الآلف من  المواطنين القاطنين هناك ليس بإمكانهم شراء و اقتناء هذه الشقق الفارعة على عروشها ؟ طبعا بإمكان على الأقل 40 في المائة منهم ، ولكن هذا الفاسد مخافة عودة الأموال الضخمة من جديد  إلى حساباته البنكية ، يحاصر  اية محاولة إرجاع''  الكرامة ''بقيود التسبيق

     لقد أعطى السيد رئيس الحكومة المغربية الحالية وعودا منذ أشهر ماضية من اجل القضاء على هذا '' الفساد العقاري" ، نحن نعلم أن هذه الوعود نابعة من صدق في القول ، ورغم أن الصدق في الفعل تحاصره كما نقول جميعا ونحن نتفق مع معالي  '' وزير الوزراء  '' ان جيوب مقامة الإصلاح لا تنام عيونهم ليلا ونهارا ، ولكنها عيون قليلة ، والمصرون على الإصلاح ومحاربة الفساد كثيرون  و الحمد لله ، وملايين المغاربة ينتظرون هذه الوعود لتخرج إلى ارض الواقع  . 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة