عفوا الجن..كلنا جنون

عفوا الجن..كلنا جنون

ياسين كني

 

امتلأت حوائط منتديات التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك بصور و فيديوهات و تعليقات و حوارات حول شخصية جديدة لم تحض بالاهتمام في عالم الواقع فكذب عليها باهتمام وهمي في عالم الافتراضي الذي أصبح أكثر إنسانية من عالم الواقع للأسف.

شخصية الجن هي شخصية طفل يعيش في الشارع يفترش الأرض و تغطيه السماء جدران بيته شوارع طويلة عريضة بلا حضن دافئ يضمه, و هو الذي لازالت الطفولة لم تغادر جسمه الهزيل الذي لا يوحي بسنه الحقيقي, رشيد أو الجن تهافتت عليه الجرائد الالكترونية و الإذاعات الجديدة لنيل سبق صحفي يثير قضية تعايش معها المجتمع حتى لم يصبح تحرك فيه ساكنا كما لا تحرك قضايا كبيرة مشاعر احد في بلدنا الذي بدأ يفقد إنسانيته شيئا فشيئا, فما إن ظهر الفيديو الأول للطفل حتى فرقع الإعلام قضيته , بل شخصه و نقله من غياهب النسيان إلى عالم الشهرة و المعجبين و الصور و الاتوغرافات الرمزية و المادية, وصممت الصور و الملصقات الفيسبوكية من اجله, و أنشأت صفحات على الفيسبوك نالت من المعجبين ما لم ينله زعيم أو قائد على هذا الفضاء الافتراضي.

حينما تتبعت , او أجبرت على تتبع القضية بدا لي و كأن قضية التشرد و ما يرافقها من مشاكل اجتماعية و كأنها قضية مستجدة في المغرب او تم اكتشافها لأول مرة, في حين ان القضية قديمة و متزايدة من سنة إلى أخرى , وكم نرى في شوارعنا من أطفال يفاقون القلوب لا يلتفت إليهم احد, بل و توجه إليهم أنكى النعوت و يعاملون كجرذان تتقاذفها الأرجل كأنها جرب أو طاعون معدي, لكني أجدد استسلامي لهذا الشعب الذي لم افهم كيف يثار و يستثار و يخمد بين عشية و ضحاها.

ان قضية الجن قضية ببساطة يتاجر بها, يتاجر بهذه الحالة التي لا تمثل الى السطح في قضية كبيرة جدا , حالة كالشجرة التي يريدون ان يخفوا بها الغابة, بتصنع البعض التعاطف و اخذ الصور مع هذا التعاطف المصطنع, جرائد تحاول جلب قراء و إذاعات تحاول الاستزادة من المستمعين و شخصيات تريد ان تنضح على السطح كما نضحت مجاري كثيرة في وطننا أزكمت رائحتها الأنوف , الكل يحاول إيجاد حل للجن كأنه الحالة الوحيدة في المغرب , و كأن الزمن يعيد قضية رفاق "علي زاوا" الذين رفعوا أقواما و ظلوا هم في الوحل, ولعل الطفل , الشاب الآن, "عوينة" الذي عاد الى الشارع خير دليل.

عفوا أخي رشيد لن أتعاطف معك, لأنني لا امتلك الثمن الذي يقدمه إليك البعض مقابل هذا التعاطف, لن أحاول أن اخذ معك صورة او أحرر مقالا اطلب فيه العون لك, فالعون المؤقت سيخرجك من وحوش الشارع ("التشمكير", الاستغلال, المخدرات, السرقة ...), الى وحوش العالم المختفي وراء أقنعة, هي في النهاية وحوش محترفة نظير الوحوش الهواة التي تعرفها...

ان حل مشكلة الطفل المشرد تحتاج الى اكبر من حل مشكلة الجن: تحتاج الى مقاربة اجتماعية في اقتصادنا و أمننا و تعليمنا...تحتاج الى مجتمع مدني تقوم تنظيماتها بعملها بإخلاص بدل تلك التي تنشئ تنظيمات للاسترزاق بالعمل المدني او تلك التي تقوم بالعمل المدني لقاء مكسب سياسي أو نتاج رفه اجتماعي...تحتاج الى مسؤولين يعرفون الواقع و يقرون بالمشكل و يدركون أن أطفال الشارع ليسوا حالة شاذة في المجتمع بل هو واقع مرير , أنهم نتاج سياسات اقتصادية و اجتماعية فاشلة و ليس نتاج سفر لمشاهدة مباراة كرة قدم في مدينة كبيرة...

أخي رشيد سامحني فنحن جنون أكثر منك...نعم لا تستغرب فإذا كنت مشرد في شارع تجد فيه قوت يومك و تفقد فيه مسكنا يأويك, فنحن مشردون في مجتمع نجد فيه قوت يومنا و نفقد فيه كرامتنا...إذا كنت أخي رشيد قد غادرت عالم الواقع الى عالم الخيال الناتج عن مخدر فنحن قد سجنا في واقع مرير لم نستطع معه ان نخرج الى واقع أحسن , بل حرم علينا حتى الخيال فالحلم ممنوع علينا بقوة القانون, قانون الغاب الذي يسيرنا...اذا كنت أخي الجن تعاني من وحوش بفرو و مخالب فنحن نعاني وحوشا ببدلات و ربطات عنق...أخي الجن اعلم انه من المستبعد ان تقرا مقالي هذا لكني لم أوجهه لك, بل أوجهه الى أولئك الذين يحاولون استغلال براءتك و سجيتك التي لم تختبر بعد خبث هؤلاء الأنذال, عل بعض الإنسانية تعاود دغدغة دماءهم الملوثة بحب المرور على الأبرياء للوصول الى ما يريدون, اتقوا الله في هذا و غيره و إليك ادعوا و اسمعي يا جارة, و أتمنى ان تصلك يد الرحمة قبل أيادي الذئاب, و أتمنى ان لا تكون سببا في استزادة المجاري التي طفحت بكثرة في وطننا الحبيب فقد تعبت أنوفنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة