عبد السلام ياسين ... ذلك الاستثناء المغربي
عبد الرحيم بندغة
رحل المرشد العام لجماعة العدل والإحسان المغربية إلى دار البقاء. الفقيد واحد من الأعلام المغربية الحقيقية ، ورمز من الرموز الوطنية الكبيرة و الغيورة على هدا الوطن . على الأقل حسب ما أجمعت عليه مختلف الشخصيات ذات المرجعيات والحساسيات المتباينة من داخل وخارج أرض المغرب. ونادرا ما وقع إجماع على شخصية مغربية مثلما وقع الأمر على الأستاذ عبد السلام ياسين. إن هذا الإجماع حول شخص المرشد العام للجماعة نعتقد أن مرده إلى اعتبارين أساسيين:
1- المكانة العلمية للرجل: ترك الراحل خزانة غنية بالكتب و المؤلفات، تجاوزت الثلاثين كتابا ، تنوعت مضامينها بين الشق الدعوي، والشق والسياسي ، ليكون -رحمة الله عليه- بغزارة إنتاجه الفكري والتربوي قد حقق إشباعا فكريا لكل أعضاء الجماعة سواء في الداخل أو منتسبي مدرسته بالخارج ، محققا بذلك أهم عنصر من عناصر التحول للحركات الاجتماعية الجديدة.
2- المواقف السياسية للرجل: من القلائل في المغرب الذين كانت لهم معارضة صريحة لطبيعة نظام الحكم السائد في البلاد ، و استمر عليها إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا . لذلك استطاع الرجل أن يجلب إليه احترام و تقدير العدو قبل الصديق ، بفعل ثباته في الموقف و عدم الخضوع لمساومات السلطة الحاكمة.
تحارب الأنظمة الغير الديمقراطية المخالفين لها والمعارضين –الصادقين منهم – بآليات و أساليب متنوعة و مختلفة، من ترغيب، ومحاولات للاحتواء، إلى الترهيب والتعذيب، بعد أن تفشل كل محاولات التركيع الوديعة. والنظام المغربي لم يخرج عن هده القاعدة فقد تفنن في تعذيب معارضيه ، والتنكيل بهم حتى صارت سجون ومعتقلات المملكة جزء من تاريخ هدا البلد –التاريخ السلبي للأسف- نظرا لبشاعة ما حدث فيها ، وصيتها الذي ملأ الدنيا. ولعل ذكر أسماء مثل "قلعة مكونة ،ودرب مولاي علي الشريف، و دار المقري، و تازمامارت ..." يحيل الى ممارسات القتل والتعذيب لشرفاء هدا الوطن، وكل الرافضين لمنطق الخضوع .
و الاستاذ عبد السلام ياسين -رحمة الله عليه- واحد من هؤلاء الرجال الذين ذاقوا من ويلات هدا النظام، مباشرة بعدما وجه رسالته الشهيرة "الإسلام أو الطوفان" يدعو فيها الملك الراحل إلى التوبة إلى الله، ورد المظالم إلى أهلها ، فما كان جواب الملك و ككل الأنظمة الاستبدادية إلى أن أودعه مستشفى للأمراض العقلية ، تم أخضعه لحصار طويل لم ينته إلا بعد أن تزايدت الضغوط الدولية على الملك الجديد. و قد فعل مع هدا الأخير الأمر نفسه بعيد توليه الحكم من خلال رسالة "مذكرة إلى من يهمه الأمر " ، حيث دعاه فيها إلى تصفية تركة أبيه باعتبارها جزء من المال العام للشعب، إلا أن هده الرسالة قوبلت كمثيلتها بلامبالاة "رسمية"كالعادة، فيما تكفل "متطوعون" و"مأجورون" بالرد.
و بالرغم من كل هذا حافظ الأستاذ عبد السلام ياسين -رحمة الله عليه- على نفس المنهاج الدعوي والسياسي، ولم يشتغل أبدا بتلك الردود، وقد أدرك بأنها محاولات للإلهاء عن استكمال الطريق، وهذا -بنظرنا- ما جعله يشكل الاستثناء المغربي إذ ظل متشبثا بمميزاته التربوية، والفكرية، والعلمية، المتجلية في:
1- ثنائية الدعوة والدولة : اختار الشيخ -رحمه الله - منذ البداية منهجا وأفقا واضحا للجماعة يتجلى في المزاوجة بين الجانب الدعوي و السياسي، أي تلازمية الدعوة و الدولة لا افتراق بينهما ، ومن هنا جاء العدل بما هو رمز للدولة، و الإحسان بما هو رمز للدعوة، و دلك من خلال إحياء نموذج الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وهنا يبرز وجه الاختلاف -في اعتقادنا- عند العدل و الإحسان عن باقي المدارس الإسلامية كالإخوان المسلمين في مصر، و العدالة والتنمية في تركيا.
2- نبد العنف : ترتكز مناهج العدل والإحسان التي بناها الأستاذ عبد السلام ياسين على مقوم أساسي متمثلا في نبد العنف بكل أشكاله ، بحيث استطاعت الجماعة الحفاظ على خطها السلمي بالرغم من كل المضايقات التي كانت تأتيها من السلطة ، وهي تختلف بذلك عن تجارب عديد من الفصائل الإسلامية الأخرى، كما تميزت الجماعة ولازالت باستقلالها عن الخارج و لم يثبت استقواؤها بأي أجنبي كيف ما كانت صفته.
3- الدعوة للحوار : مافتئت الجماعة تدعو للحوار بين كل القوى الحية داخل البلاد، وخاصة الشرفاء منهم، حيث يقول الشيخ " رغم أن لون سمائنا ليس واحدا ،إلا أن أرضنا واحدة "، لذلك دعت الجماعة إلى "ميثاق إسلامي" تجتمع حوله القوى الفاعلة في البلاد من اجل الإصلاح الحقيقي ، و في مرحلة ثانية "ميثاق وطني" يجمع مختلف المغاربة حتى من غير المسلمين ادا كان الغرض إقامة دولة تصون الحقوق و تضمن الحريات .
هده نقاط استثناء مغربية حقيقية و ليست الاستثناء الذي تطبل له السلطة الرسمية بشكل يومي" استثناء الخداع و التحايل على المطالب الجوهرية للشعب المغربي ".
لقد عاش الرجل على مبادئه، وأفكاره. لم يخضع ،و لم يساوم، ولم يستكن للنظام إلى أن جاء موعد الرحيل إلى دار البقاء.
نعم الرحيل و نعم الراحل.
