الإدارة المغربية والتنمية

الإدارة المغربية  والتنمية

الحسين أربيب

 

 التنمية الاقتصادية ليست  فقط رأسمالا واستثمارا في قطاع انتاجي وتصديري وجلب لعملة صعبة تضخ في دورة اقتصادية لقطاعات مختلفة ينتفع بها المجتمع وترفع من مستواه المعيشي وترقى به في جوانب عديدة من حياته ومستقبل أبنائه لضمان نوعا من الحياة التي يختارها في جو من الديموقراطية حيث يتم تقاسم الخيرات وفق معادلة تحترم قوة العمل والفكر مع توازن للتضامن بين شرائح المجتمع دون تسلط فئة على أخرى ، بل هي أيضا وبالإساس إدارة مهيكلة وفق قوانين ناتجة عن سياسة شمولية وضعتها مؤسسات منتخبة بشكل ديموقراطي ، إدارة لها من المرافق ما يمكنها من تقديم الخدمات السريعة والناجعة للمواطنين دون تمييز ولا محاباة ، مما يوفر عليهم الوقت والجهد ولا يخلق التشنج الاجتماعي ويفتح طرقا مختلفة وملتوية لنمو الرشوة والمحسوبية وكل أنواع التعقيدات الإدارية إن على صعيد المساطر أو على صعيد علاقة المواطن بالإدارة.                                                                                                                                                    إن الإدارة يجب أن تكون عاملا من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كيف ذلك ؟ بوضع أسس إدارة مهيكلة وفق تنظيم شفاف يحدد الأهداف ويضبط مقاييس العمل الإداري بتوفير عناصر التكوين البشري والتوظيف وفق معايير قانونية واحترام مساطير إجراء المباريات وضبط صارم للجن المراقبة والتصحيح للقضاء على التدخلات والرشوة ، وإخضاع الموظفين للتدريب المستمر مع التحفيز المادي والمعنوي. فالتنمية الاقتصادية تتطلب وضوح الرؤية ورسم سياسة واضحة المعالم وتواجد إدارة فعالة لها من الاليات القادرة بكفاءتها ودقة تصميمها وسرعة مبادرتها لإيجاد الحلول المناسبة وفق منظور علمي وواقعي لا يلتفت الى صاحب الخدمة بقدر ما ينظر للشروط المطلوبة والقانونية دون شيء آخر .                      .                                                                                                                                                          فالإدارة التنموية يجب أن تضع في مقدمة أولويتها الحرص على طريقة التعامل مع المواطنين المستفيدين من خدماتها بحيث تضع الموظف الذي له الكفاءة العلمية والإدارية والقدرة على تحمل المسؤولية الإدارية والمروءة وحسن المعاملة والإنسان العاقل بالمعنى الطبي بحيث يخضع باستمرار لمراقبة أطباء نفسانيين واجتماعيين حتى لا يقع الخلل ويحدث الصدام وتفشل عملية التنمية التي يراد أن تكون الإدارة عاملا من عوامله. فالفصل 154 من الدستور يؤكد على أنه " تم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات " وهذا الفصل بالغ الأهمية من حيث التنصيص على المساواة بين المواطنين ، تلك المساواة التي تشمل المعاملة المادية والمعنوية وتوفير ظروف الاستقبال من مرافق ضرورية للمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة وما الى ذلك من متطلبات لتيسير العمل الإداري والشعور بنعمة المواطنة ، ولم لا تقديم خدمات بالمنزل؟ طبعا للذين لا يستطيعون التنقل ، بالمجان وللذين لهم الإمكانات المادية، الأداء مقابل ذلك.                إن الإدارة ليست مرافق ومصالح تقدم خدمات إدارية محضة بل يجب أن تكون متعددة الخدمات من حيث التنسيق والاستشارة، وإبداء الرأي مع توفير كل وسائل الراحة للمواطن وخدمات جانبية كالهاتف وتصوير الوثائق والانترنيت، لأن الإدارة لها دور تنموي تطبيقا للسياسة الاقتصادية التي رسمتها مؤسسات منتخبة  ديمقراطيا . فالإدارة وجدت في الأصل لتسهيل التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين ، فكيف نقبل أن تعمل الدولة على المشاركة السياسية من خلال دعوتنا للتصويت على مؤسساتها المنتخبة ثم تبني جدارا من التعقيدات الإدارية حتى تعرقل الطريق للوصول لمركز القرار الإداري وليس السياسي ، ولم لا؟  وبسط مشاكلنا له ليحلها ،لأننا لا نطلب أكثر من حقنا في الولوج لسوق العمل وواجب الدولة أن توفره لنا وإلا أن تعطينا مساعدات مادية لنعيش في الحدود الدنيا في انتظار وجود الشغل ، كما تفعل كل الدول  المتقدمة ، فقط سن سياسة لها من الأفق الواسع والنظر للبحر وخيراته وللأرض ومعادنها وفلاحتها وضرورة توزيعها على الفلاحين عوض تملكها من طرف من لا يحرثها ولا يستغلها إلا وفق منظور الربح الضيق وليس الربح الوطني بحيث يستفيد منها الشعب كله .  فالإدارة لن تقف في وجه من يريد التوفر على سكن ورخصة البناء ، والعلاج وتواجد المشفى بقرب مقر سكناه ، والدخول للمدرسة ووجود مقعد وسبورة ووسائل التعليم التي تساير العصر ومعلم له ظروف إنسانية وتربوية.                   .                                                                                                                                   إن الإدارة هي رأس الحربة لكل سياسة لذا يجب أن توجه أحسن توجيه بالتنظيم والسرعة في تقديم الخدمة الإدارية و"أنسنتها" أي أن يتم التعامل برفق مع المواطن وليس بالعنف كما هو الحال في العديد من الإدارات  مما  يجعل الحديث عن حقوق الإنسان كمن يحلم لأن الواقع الإنساني بالمغرب بعيد كل البعد عن أدنى الحقوق ، فالإدارة وحدها وتعاملها مع المواطنين سواء في المستشفيات أو مراكز الأمن والمحاكم وكل الإدارات إلا وتجد الصعوبات تنبت كالفطر من هنا وهناك لدرجة أنك تشعر كأنك في وطن غير وطنك بل في كثير من الأحيان لما نسافر نجد التسهيلات في الوطن الغربة والبسمة في وجوه الموظفين وتنوير لحقوقنا من قبلهم بكل عفوية وسمو في الأخلاق والتعامل الإنساني . فالجانب الحقوقي النظري متوفر بنصوص دستورية لا تقبل اللبس أو التأويل ، فالفصول 161،162، 163،164 والمتعلقة على التوالي بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ، والوسيط  تلك المؤسسة الوطنية المستقلة والمتخصصة والتي حددت  مهمتها في الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، تلك الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز. إذن لا تنقصنا النصوص القانونية ولكن تنقصنا الممارسة القانونية التي مكمنها عقلية الإداري المسؤول الذي يتقمص المرفق الإداري لدرجة أنه يعتقد أنه مجال خاص به بل هناك من يتصرف في الشأن الإداري تجاه المواطن كما لو أنه واقف في ملكيته الخاصة فتراه يرغد ويزبد ويصرخ كما لو ضاع له حق وهو في واقع الأمر يريد أن يسطو على حق بتلك الطريقة "البلطجية"                .                 الإدارة هي في حقيقة الأمر وسيلة ميسرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وليس جدارا لردع حاجيات المواطنين، فالدولة بكل ما لها من إمكانيات مادية وبشرية هي في خدمة الشعب من خلال مرافق إدارية تنشر عبر التراب الوطني وفق مخطط جغرافي يراعي مفاهيم تقريب الإدارة من المواطنين وسياسة القرب التي ما فتئت الطبقة السياسية تثقب لنا بها طبلة الأذن كلما حلت مناسبة الانتخابات أو بدونها .                                     إن السياسات المغربية المتبعة لحد الآن لم تجد بعد الطريق الى ولوج عقول المغاربة لأنها تسلك طرقا تتيه بها في دوامة البحث عن أهداف وهمية سريعا ما ينكشف زيفها لأنها بالأساس غير مبنية على قاعدة متينة وصلبة وهي الديمقراطية التي تعتبر الركيزة لكل الممارسات السياسية والقانونية والاقتصادية ، وتلك القاعدة الديمقراطية تجد مرتكزها في الشعب وتلبية مطالبه المادية والحقوقية الآنية والمستقبلية . والإدارة في كل هذا ما هي إلا أداة تنفيذية للسياسة المخطط لها وفق النظام العام السياسي الذي يستلزمه الرضوخ للأسس الديمقراطية لضمان استمرارية وتطوره مع فتح الأفاق للشباب لقيادة دفة الحكم عوض التقوقع ضمن حلقة ضيقة من سياسيين لا يستطيعون الوقوف والحفاظ  على توازنهم الفكري والبدني إلا عبر مساعدة طبية وأدوية مقوية، ولا يفارقون المنصب السياسي والإداري إلا إذا اقتلعتهم منه المنون.                                                                   إن التنمية لن تكون متاحة إلا بوضع خطة إدارية محكمة النظم ودقيقة الأهداف ومضبوطة القواعد التي تنطلق منها لخدمة المواطنين بشكل ومضمون لا يقبل الانتقائية ويقحم كل الفعاليات المدنية والعسكرية  لتطوير البلاد وبناء المشاريع الكبرى من طرق وقناطر وسكك حديدية ومطارات ومستشفيات متخصصة في كل أرجاء التراب الوطني لتكون الوقاية من الأمراض من بين الأولويات لأن الصحة عنصر أساسي في التنمية البشرية والاقتصادية معا. فالإنسان المغربي في حاجة ماسة الى بنية صحية للعمل وللتفكير في مستقبل أبنائه الذي بدونه لن يكون لهذا البلد شأن بين البلدان ، وفي حاجة مستعجلة الى إعادة الاعتبار واعتذار الدولة له  لما تعرض لها المغاربة على فترات طويلة من تهميش وعزلة ومعاملة محطة بقيمة الإنسان واحتقار من لدن الإدارة التي تعتبر يد الدولة التي تستعملها للتخفيف من معاناة المواطنين ولكن للأسف الشديد كانت يدا تبطش بالأجساد الهزيلة منهم دون سبب بين، سوى لأنهم لا ينحنون لأن فقرات ظهورهم تكلست بالوقوف في صفوف طويلة لوثيقة كلفت من الوقت والمال ما لا يقارن . الإدارة المغربية في حاجة الى إعادة النظر في جذور نشأتها لأن بنيتها المادية والبشرية ترسبت فيها ممارسات وتوجهات تحط من همم الناس وشموخهم ، وعلى السياسة التي تطمح للتغيير والتطور العدول عنها بشكل جذري وبسرعة، لأن الزمن السياسي لم يعد يحتمل الكثير من الانتظار ، فالشعوب اليوم تطورت وتفهم دقائق الأمور في بداياتها ولا تهتم بكثرة الخطابات الرسمية التي أصبحت لا يعير لها المواطنون أية غاية ولا بال. فالعمل الإداري يجب أن يشارك بالفعل في التنمية ويدفع بالاقتصاد نحو انطلاقة حقيقة وليس اتباع اساليب ملتوية للوصول لنتائج هزيلة وتبريرها بالطقس والأزمة العالمية وما الى ذلك من العزف على نفس الوتر الذي لم يعد يسمعه أحد.                                                                                       

إن الإدارة المغربية  معنية أساسا بالتغيير المعول عليه ضمن كل هذا الحراك الذي لم ينتج لحد الآن سوى فقاعات سرعان ما تنفجر على شوك الواقع الإداري وغيره ، بحيث مازال المواطن يعامل في الإدارات بنوع من الازدراء والنظر اليه كمن ارتكب جرما والحال أن الدول المتحضر لا تنظر للمجرم المتهم بتلك النظرة لأن الأصل في التعامل القانوني أن المتهم بريء الى أن تثبت إدانته ، ونحن نتهم دون ارتكاب أية جريمة ، وإلا كيف يتم تفسير تلك الطريقة الفظة في الاستقبال في جل الإدارات المغربية ، هل وصل الأمر بالموظفين الى حد الإنسلاخ عن إنسانيتهم؟  ألم يحن بعد الوقت الى" أنسنة" الإدارة وتطعيم سكانها بروح فيها شيء من الدفئ والتعامل الإنساني لا أقل ولا أكثر حتى تتمكن الإدارة يوما من المساهمة في التنمية التي طالما انتظرنا قدومها؟ 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة