الأصولية تيار انتهازي متشائم

الأصولية تيار انتهازي متشائم

محمد أزوكاغ

 

ما يميز التيارات الأصولية عن باقي التيارات السياسية الأخرى أنها تشتغل، رغم اختلافاتها التنظيمية العميقة و تباين تكتيكها الظرفي، على تحقيق هدف استراتيجي واحد على المدى البعيد يتمثل أساسا في إقامة الدولة الإسلامية التي تجسدت تاريخيا في ما سمي بالخلافة الإسلامية.

غير أن تحقيق هذا الهدف وبالشروط التي تطرحها هذه التيارات حاليا يرتبط عندهم، وأقصد هنا الأصوليين، بالدرجة الأولى بالعودة إلى المبادئ والأصول أي بتطبيق الشرع على ظاهره طبعا ودون أي قياس ولا تأويل، كوسيلة لتحقيق الملك العادل بتعبير بن خلدون.

تحقيق الملك العادل كما وقف عنده صاحب المقدمة طويلا يتم بوسيلتين، الأولى هي العقل وهذا محصور فقط في الأمم المتحضرة أو المدينية. والثانية هي الشرع وتحقيق مجتمع عادل بالشرع محصور كذلك، حسب بن خلدون دائما، في المجتمعات البدوية التي زاد الشاطبي في شرحها عندما ربطها بالأمية.

إن الداعين لإقامة ما يسمونه بالدولة الإسلامية التي تحقق الملك العادل عن طريق تطبيق الشرع كما يتصورون، يعتبرون أن هذا الأخير قانون أزلي صالح لكل زمان ومكان وهو يضمن للجميع خير الدنيا والآخرة، هذا الرأي المختزل جدا تبناه حتى عقلاء المسلمين كبن رشد وبن خلدون.

هذا الموقف الأصولي الذي تبناه الكثيرون بمن فيهم بن رشد وبن خلدون برره الأستاذ عبد الله العروي (حالة بن رشد وبن خلدون) بكونهما لم يطلعا على مراجع غربية كثيرة وأن أغلب ما اطلعا عليه كان مطبوعا بالتشاؤم  خاصة وأن الغرب آنذاك كان يعيش في انحطاط حضاري صارخ الأمر الذي جعل الكل ينظر إلى العالم بمنطق: ما تحقق في السابق لا يمكن أن يتجاوزه اللاحق.

لكن ماذا سيكون موقف الرجلين لو اطلعا مثلا على الدستور الأمريكي وتطبيقه على أرض الواقع وعلى كل المظاهر الديمقراطية في الغرب؟ يجيب العروي على هذا السؤال، وهو يبدو في ذلك واثقا، بضرورة جنوح بن رشد وبن خلدون إلى التأويل أي إلى استبدال المنظور الأصولي البحت بمنظور أكثر انفتاحا يجمع بين الشرع والقانون الوضعي.

إذا كنا نتفهم اليوم، باعتماد منطق عبد الله العروي، النزعة الأصولية لقدماء المسلمين وخاصة العقلاء منهم بدعوى أنها (النزعة) لم تتزامن مع نماذج لأنظمة سياسية عادلة قائمة على الديمقراطية والحرية، فما الذي يبرر الدعوة الأصولية لبعض مسلمي القرن الواحد والعشرين؟

يجيب العروي على هذا السؤال بالقول :"البدو والأميون أكثر عددا عندنا منهم عند غيرنا. لا غرابة أن تلازمنا الأصولية بكل معانيها. تنفع قلة وتضر الكثرة، تضيء جانبا من الحاضر وتظلم جادة المستقبل." (من ديوان السياسة، ص108)

لا شك أن العروي هنا يلمح إلى موقف انتهازي يتحكم في دعاة الأصولية وإقامة نظام الخلافة الإسلامية وهذا بالفعل المبرر الوحيد الممكن تفهمه منطقيا. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة