الحرية كما هي متعارف عليها دوليا

الحرية كما هي متعارف عليها دوليا

عبد الله الدامون

 

مضى عام وجاء عام، لذلك تقوم الشركات والمؤسسات بتعداد أرباحها وخسائرها، وحتى البلدان التي تحترم نفسها تقوم بتعداد ما حققته وما لم تحققه وما تروم تحقيقه في مقبل الأيام؛ أما نحن فنتصرف مثل

الأبكم الأصم الأعمى في السوق، الكل يغلي حولنا ونحن كأننا لسنا هنا.
لكن لا ينبغي ألا نكون متشائمين كثيرا، ففي السنة ما قبل الماضية حقق المغرب إنجازا غير مسبوق حين عادت فتاة مغربية من المشرق وهي تحمل الرتبة الثانية في مسابقة «أراب آيدول» لأجمل الأصوات الغنائية، ولذلك عرف الناس في كل مكان أن المغرب بلد صامد ولن يموت، ومن ثم استقطبت شركة «اتصالات المغرب» هذه الفتاة وجعلتها نموذجا للنجاح وأوكلت إليها القيام بعدة وصلات إشهارية وملأت صور دنيا الدنيا وعلقت ابتسامتها الملونة على اللوحات الإعلانية الكبيرة في مختلف المدن والقرى.
في نفس السنة التي حصلت فيها باطما على إنجازها المجيد، حصل طالب مغربي، اسمه أنور العبادي، على أعلى نقطة في الباكلوريا في المواد العلمية، وعلى رأسها الرياضيات، لكن لا أحد وضع صوره في الملصقات الإشهارية، ولم يجلس على هودج للاحتفاء به.
مؤخرا، سمع الناس أن باطما أجرت عملية تجميل على أنفها، إنها لا تزال تشغل الناس في كل شيء، لكن لا أحد يتذكر أنور، ولا أحد يعرف ماذا صنع بتفوقه في هذه البلاد الجاحدة. الخطة هنا واضحة جدا، فمن يريد أن يكون ناجحا في هذه البلاد فليغن، وعدا ذلك لن ينفع نجاح أحد حتى لو صنع قنبلة ذرية.
وقبل بضعة أسابيع، حقق المغرب «إنجازا» آخر، لقد فاز محمد البوريكي بلقب أحلى صوت في برنامج غنائي، وتم استقباله مثل بطل أسطوري، وقريبا ستفتح له اتصالات المغرب، وغيرها من شركات الربح السريع، أبوابها لكي يضمن لنفسه مستقبلا هادئا ومريحا، لكن لا أحد التفت إلى تلك المدرسة الموجودة في منطقة فقيرة بنواحي طنجة، والتي حقق تلامذتها أعلى نسبة نجاح في المغرب.
لا أحد ضد أن يغني الناس أو أن يبحثوا عن مصالحهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، لكن لا يمكن أن نكون مع بلاد «تسير بالمقلوب»، بلاد لا تحفل بطلابها المتفوقين، ومقابل ذلك تقدم الفائزين في المسابقات الغنائية على أنهم النموذج الذي يجب أن يُحتذى. هذه مهزلة كبيرة.
قبل سنوات، عندما دخل المغرب طريق الإفلاس السياسي، نتيجة التزوير والتجهيل والتفقير، ابتدع المسؤولون خطة تروم تشجيع الرياضة والكرة من أجل جعل الناس يقتنعون بأن الرياضة أفضل من الانشغال بالسياسة. في تلك الفترة، ظهرت نوال المتوكل وسعيد عويطة والكروج وغيرهم، ثم صاروا نماذج مجتمعية تحظى بكثير من الشهرة والتقدير. لكن مع مرور الوقت حتى الرياضة سارت نحو الإفلاس، ولم يعد المسؤولون يجدون شيئا يسترون به عورة البوار الشامل سوى التعلق بقشة المواهب الغنائية؛ وها نحن اليوم نجعل من مناسبة حصول شابة أو شاب مغربي على لقب أحلى صوت فرصة لكي ننسى شبابنا الآخرين، شباب بأحلى نقطة وأعلى معدل وأجمل موهبة علمية وأكبر قدرة حسابية وأكمل بحث علمي وأروع اختراع.
في أي مكان من العالم يحق لأي كان أن يمارس حريته وأن يبرز موهبته بالطريقة التي يشاء، لكن لا ينبغي أن نجعل صاحب صوت غنائي جميل أحسن بكثير من طالب متفوق أو مخترع عنيد.
لا يمكننا أن نكون ضد صورة باطما أو البوريكي أو أي أحد آخر معلقة في اللوحات الإشهارية الكبيرة في الشوارع، لكننا نريد أيضا صورة أنور العبادي أو غيره من الطلبة المتفوقين وتحتها عبارة: «المغاربة يهنئونك على تفوقك ويتمنون لك المزيد من النجاح». بهذه الطريقة سنضمن، على الأقل، التعادل في هذه المباراة بين أحلى صوت وأحلى نقطة، والتلاميذ والطلبة الذين يمرون أمام لوحة عليها صورة مغنٍّ ولوحة أخرى عليها صورة طالب متفوق عليهم أن يختاروا، إما أن يغنوا وإما أن يدرسوا، وإذا شاؤوا أن يدرسوا ويغنوا فلهم ما يريدون. هذه هي الديمقراطية التي نريدها، وهذه هي الحرية كما هي متعارف عليها دوليا.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة