العْداوة ثابتة و الصْوابْ إكونْ
الحسن بنونة
" العْداوة ثابتة والصْوابْ إيكون "
هذا المثل المغربي ذو المغزى الكبيرة يدفع بنا إلى توطيد العلاقات و تحريرها من الخصومات أو الانزلاق إليها ، فهو مثل يدعو للتقارب و ترك العداوة و جعلها على الهامش أثناء لقاء بين خصمين ، و المثل لم يأتي من فراغ ، بل هو مفهوم اتخذه قائله من القرآن والأحاديث النبوية الشريفة ، فحين نقرأ قوله تعالى : (( ولا تستوي الحسنة ُولا السّيئةُ ادفعْ بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينكَ وبينهُ عداوةٌ كأنه وليٌ حميمٌ )) سورة فصلت
نجد المثل وكـأنه تفسير للآية الكريمة ؟، فتأمرنا الآية بالدفع بالتي هي أحسن ، ثم تنبهنا أن نتعامل مع من لنا معه عداوة كأنّه ولي حميم.. ، وهذا عين الصْوابْ
ولقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة : إذا أحسنت إلى من أساء إليك وعاداك ، قادته تلك المعاملة الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك حتى يصير كأنه ولي وصديق و قريب . وهذا يتقارب مع مفهوم المثل .
أما من الأحاديث :
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ))
أخرجه أبو يعلى و صححه الحاكم
ولمّا فتح الله على نبيه مكة فتحا مبينا ، و أسر العديد من كفار قريش ، واجههم و قال ((ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
تأمل معي سيدي (ة) الفاضل (ة) الإسلام يُربي النفوس على ترك الشحناء جانبا بين خصمين لعلمهما يسترجعا ما كان بينهما من مودة ، وليس كما يصفه بعض جهالة الغرب و بعض الجهلة المحسوبين على أمة الإسلام ، أنه دين الحروب و الإرهاب و التنافر و الكراهية ، فالصبر و العفو و الحلم و كل ما هو صْوابْ مطالب به المسلم أين ما حلّ وارتحل .
أمّا اليوم فأصبح عدم التعامل بالصْوابْ هو الأرجح في بلداننا العربية ، و التنافر و التباغض هو المتداول بين أفراد مجتمعاتنا ، و الابتعاد عن مكارم الأخلاق أصبح هو الأصل عندنا ، ومن شبابنا وشاباتنا من يفتخر بالعدوانية التي يطلقها على أصحابه أو أصحابها .
وإنه من المؤسف جدا أننا نجد بمجتمعاتنا العربية أكثرية لا يستهان بها تعلن العداوة على أقرب الناس إليها ، فالجار على الجار ، والأخ على الأخت ، والأخت على الأخت و الزوج على عائلة زوجته أو العكس و ربما تصل العداوة حتى بين الأبناء و الآباء ، و يا ليت لو كان هؤلاء الناس يكتمون ما في صدورهم من غل و شحناء و يظهرون الابتسامة و الصفاء ولو في الوقت القصير الذي يلتقون فيه ، ربما جعل الله من بشاشة الوجه وطلاقته ومن تلك الابتسامة المتبادلة سببا لإصلاح ذات البين .
لكننا اعتدنا عند لقاء غريمين أن نشاهد الوجه العبوس أو العين المنحدرة ، أو حتى التدابر في بعض الأحيان ، و نسمع كلاما متبادلا يجري بينهما و تحت طياته معان التحقير أو الاستهتار بالآخر .
فكلمة الصْوابْ بالدارجة و كلمة الصّوابُ باللغة العربية لها نفس المعنى ،و يقول علماء اللغة الصواب : إصابة الحق في عمل أو قول ، و الصواب هو: ما كان عمومه حسنا .
و من الصواب معاملة من عاداك بالتي هي أحسن و بالوجه الطليق و الابتسامة و العفو وكأنه صديق حميم حتى يعود إلى رشده و يترك معداتك ، فليس الرجل القوي أو المرأة القوية من يقابل العداء بالعداء ، فمقابل العداء بالعداء يزيد في شرخ و تصدع العلاقات بين الأحباب و يزيد التباعد و التنافر و الجفاء .
إنّ هذا المثل إن طبّقه الناس بينهم لكان الناس أقرب لبعضهم البعض من اليوم ، نحن اليوم لا نتعامل بالصْوابْ لا مع جيراننا و لامع بعض أهالينا ولا مع أصدقائنا و لا حتى مع أقرب الناس إلينا .
فكيف السبيل للخروج من هذه الورطة التي تورطنا فيها ، نعادي ،نجافي ،نخاصم ، ومن جراء أسباب تافهة في الكثير من الأحيان ، فربنا يدعونا للدفع بالتي هي أحسن ، ونبينا لنا القدوة فيه عفا عن أعدائه بل محاربيه ، و المثل المغربي يطالبنا بالتعامل مع الأعداء بالصْوابْ ، فماذا إذن ننتظر ؟ومَن ؟و متى؟ حتى نُطبق هذا الخلق العظيم من أخلاق الإسلام.
إنّ للتعامل مع الأخر مهارات ، تكتسب من مجريات الحياة، فمن الوالدين ، ومن الشارع أومن الأصدقاء أو من التعلم ، يقول المثل * العلم بالتعلم و الحلم بالتحلم * فلذا وجب على كل ذا لب و عقل رزين أن يبحث عن كيفية الوصول إلى التخلق بهذا الخلق العظيم ، نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : (( أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم )) رواه مسلم . و في مقام آخر قال صلى الله عليه وسلم (( تبسمك في وجه أخيك صدقة )) رواه ابن حبّان .أليس هذا لب الصْوابْ ؟، إفشاء السلام والتبسم في وجه أخيك ، لا تحسبن أخي أنني أكتب هذا وأنّ معاملتي للناس ممتازة أو متميزة ، فأنا مثلك أو أقل منك صوابا ، فلي عيوب كثيرة أسأل الله أن يهديني لمعرفتها و التخلص منها ، ولكنني كلما أجد واقعة أمامي شاهدتها عن قرب أو سمعت عنها من محدث موثوق و أرى أنها تخالف أخلاق هذا الدين الحنيف إلاّ وكتبت عنها سطورا متواضعة وقليلة و بما تفضل الله به علي ، ثم أسال الله أن يجعل فيما كتبت موعظة لنفسي أولا ، ثم أن يتّعظ بها أحد القراء الكرام أو يعمل بتقريبها لمن يهمُّه الأمر .
