أمهات مناضلات في صمت
الحسين أربيب
لم تكن لتبالي به وهي تنظف المكان لجلسة عائلية فيها الأب والزوج يكتب على جدران الحياة كلمات وكلمات ويرسم على غد شمس مشرقة ويسحب بالأمل الغيمات ، هي وحدها تعرف بعد الكلمات ومغزى الفقرات لأنها تلمسها في رعشة يده وهي تناوله فنجان القهوة ليبقى مركزا طول الليل مع الحياة ويصفف بين أنامله خصلات شعرها بعد شقاء يوم بين غسيل ونشر لملابس طفلها الكبير الذي يكتب عن خريطة طريق نحو بستان حياة زوجية هادئة وتوعية قوم جهلوا معنى الحياة بعزة . هي لم تكن تهوى الكتابة بحروف صبغها المداد والنقر على حاسوب وسط ظلمة ليل تنيره نظراته وتحرك صمته التنهدات ، هي تعيش انثى لرجل كاتب تكتبه هي كل اللحظات وترسم رجولته عبر نضج أفكاره لخدمة وطن ينتظر من ثدي أمهات مناضلات يغذين رجالا لمحاربة الجراد والضفادع التي تسكن عقول بعضهم لتركن حواء في عقر دارها وتكنس أمام باب الدار وتترك داخله للتراب والغبار، هي التي كانت دوما تلبسه حذاءه ليس نقصا أو ضعفا منها بل معزة وتقديرا لحب يكتب بدفىء الأحاسيس ونظرات تغوص في الفؤاد لتحرك المودة والرحمة التي في القلوب . . . هي التي تكتب على كل الصفحات في الجرائد التي لم يسمح لها بالنشر ، لأنها تكتب بالعرق والدم أحينا لما ترى أطفالها في ضيق الحارة لا يلعبون وفي ركن البيت لا يبتسمون ، ما جدوى الكتابة لما ليس للحرف من قيمة لدى جهلة التاريخ الذين يصنعون توابيت من ضحايا الكذب السياسي ليضعوها في متاحف مسارهم ليأخذوا عنها مصاريف في حسابات البنوك السويسرية وصندوق النقد الدولي؟. أتكتب هي؟ وهي في كل حركاتها كل الكلمات وتحمل في ذهنها كل المكتبات وفي نظراتها شعاع ينير دروب الحياة ويزرع الأمل في كل القلوب والحب في كل اللمسات . هي التي كتبت ذلك الكاتب وهو ليس سوى بعض من كلماتها التي تمنحه إياه في شكل لا تقدر أن تعلبه الحياة وتصبره للآتي من زمن لا ندري ما يحمله لنا من مفاجئات وتطورات. . هو كانت ولادته لما تزوجها ، بل لما تزوجته هي ، لأنها لولاها لما قبلت القبيلة قرانا بكاتب لا يملك سوى أقلام رصاص وأوراق ونظارات وحاسوب من الجيل القديم ،هي كانت بداية الـتأريخ لنبذة حياته وسيرته الذاتية لما يكون الأصدقاء في لقاء مع الذكريات . هو كاتب كل تلك المقالات التي لا تدور حول بركة الماء الراكد بل تحركها لتفوح نتوءتها ويعرف واقع ما صنعت قرارات سياسية من ضحايا لم يصلوا للمشفى ولا للمدرسة ولا للطريق بل سدت في وجوهم كل منافذ الولوج، حتى المساجد لها أقفال ولا صلاة قبل وبعد الصلاة . هو كاتب يعشق النطق بالكلمات التي تفضح من يسجن الطيور المغردة ليبيعها في سوق الدجاج ويحط من شموخها أمام العباد. لا يفكر في عواقب قول الحقيقة سواء عنده إن عاش أو مات ، فليس هو كاتبها بل هي علمته كيف يحيا بالعزة وكيف أن لا يخشى الموت . وحدها تستطيع فك رموز الكلمات لأنها تملك كلمة سر الحياة . نظراتها للأفق دائما لتستجلب من قادم الزمن الحلول وترسم الخطط لوضع حد لمعاناة اليتامى والمشردين في كل طرقات الوطن ، هو يعرف مكانتها في المجتمع لا يترك من يتحرش بها أو حتى يرمقها بنظرة ساقطة وهي التي تعبت لحمله تسع شهور، وهي التي تمد يدها لتسكت بكاءه وتمده برغيف لما تغلق كل الأبواب . هي وأخريات كثيرات أمهات مناضلات في صمت .
