الخطاب الحكومي بين الموضوعية و الانحياز السياسي

الخطاب الحكومي بين الموضوعية و الانحياز السياسي

يوسف الادريسي

 

في الوقت الذي يتدارس فيه مسؤولو المشهد السياسي سبل تنزيل الدستور و في الوقت الذي تبحث فيه  الحكومة  عن آليات لتدبير تمرّد أحد أطياف التحالف الإضطراري ، تفجرت احتجاجات شعبية في بعض المدن منذرة باحتقان مجتمعي من شأنه إعادة موجات الجيل الأول من الاحتجاجات في محاولة لرد الاعتبار و مواصلة التدافع النضالي السلمي .

 

ومن زاوية شفافة و من دون محاباة فإن المتتبع للشأن الوطني يدرك أن المغرب يتخبط  في عدة مشاكل اجتماعية  و تتعدد هذه  المشاكل  بتعدد الأسباب و المسببات ، إذ أضحت  تشكل بركانا خامدا يهدد حصن المجتمع و يخدش  ملامحه  الأصلية ، فبتفاقم مظاهر الفساد و الإفساد التي تعتبر عمق المشكل و جوهره  يمكن أن نتوقع  ما هو أخطر؛ تسرب اليأس المجتمعي و أفول مكونات المجتمع .

 

ولعل تصنيف المؤشر العالمي للتنمية البشرية لسنة يكشف عن حقيقة مُرة تثبت مدى ضعف كل البرامج الحكومية الخاصة بمحاربة الفقر و البطالة والتهميش و العوز الاجتماعي و الأمية . حيث احتل المغرب المرتبة 124 من بين 177 بلد شملهم التصنيف ، كما يوضح حجم معاناة الشعب المغربي ذلك أن نسبة كبيرة من المغاربة يشكون من ضعف الدخل الفردي ويعيشون تحت عتبة الفقر ، مما أفرز لنا نمطا اجتماعيا مختلا تجسد في استفحال مظاهر التفكك الأسري و الانحلال الأخلاقي و الخواء الروحي ، و الانحراف بجميع  أصنافه .

 

وعلى مستوى الإجراء الحكومي الرسمي ، لا يبدو أن هناك إرادة سياسية أو خطة إستراتيجية محكمة من شأنها طمأنة المواطنين على الأقل أو زرع  نوع من الأمل المجتمعي المفقود . فمبادرة التنمية البشرية التي تعتبر ورشا ملكيا حصريا طغت عليها الانتقائية و توظيف الوسائط و الزبونية ، لم تراع في تقديرها الإجرائي طبيعة المعضلة التي تنبثق من المجتمع و تهم بالأساس أفراده و بالتالي لن يكون خير تعبير عن تطلعات معالجتها إلا هؤلاء الأفراد ، الشيء الذي لم تعتمده المبادرة ، كما أن غياب التشخيص المباشر للأسباب و الترابطات السياسية و الثقافية جعلها تسقط في مزالق الشعارات و التهليلات التي طبعت البرامج التنموية السابقة .

 

أما مبادرة الجهوية الموسعة فسيتم من خلالها ترسيخ القضية الجدلية "المغرب النافع و الغير النافع" حيث ستستأثر خمس جهات والمتمركزة في الوسط بحصة الأسد من الدخل الوطني الإجمالي في حين باقي الجهات  ستكتفي بفتات المائدة ، بذلك ستتسع الهوة بين الجهات وبين مكونات الوطن الواحد، حيث ستبرز جهات متقدمة عن الأخرى في شتى المجالات فيما ستبقى الأخرى متأخرة بخطوات عديدة ، فضلا عن أن التقسيم الحالي لم يحترم الخصوصيات الثقافية والتاريخية واللغوية والاقتصادية ثم الجغرافية ، وهناك أمثلة عديدة على مستوى التراب الوطني عامة . كما أن نظام الانتخابات المقرون بالمحسوبية و شراء الذمم ، سينعكس بالسلب على نجاح الجهوية الموسعة حيث من المرتقب أن تُسيّر جهات المغرب من طرف ذوي الخبرة الانتهازية والمستويات المتدنية ، وربما من طرف أميين مما سيؤدي إلى اختلال الجهة وتدهورها بشكل لا ينسجم مع تطلعات حكماء المغرب .

 

أعتقد أن ملامح الدولة المنشودة التي تعمل على تحقيق مطالب شعبها هي مؤسسة لا تؤمن بالرفاهية الاجتماعية للبعض بقدر ما تؤمن بالعدالة الاجتماعية و الاستجابة لتطلعات الشعب ، أيضا هي نظام يؤمن بدولة التوازنات الاجتماعية لا بدولة الفوارق الاجتماعية و التراتبية المطلقة .

.

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة