حوار الملك مع الشباب
توفيق بوعشرين
الملك محمد السادس يستجيب بطريقته الخاصة لمطالب حركة 20 فبراير. هناك حوار و«تفاوض» لا تخطئهما العين بين الشباب وملك البلاد منذ شهرين، وهذه أول مرة في تاريخ المغرب يجري حوار من هذا النوع بين العرش والجيل الحي وسط المجتمع.~في 20 فبراير الماضي خرج شباب في عمر الزهور في أكثر من 50 مدينة وقرية يطالبون بالتغيير، فجاء الخطاب الملكي في 9 مارس يعلن فيه الجالس على العرش قراره التنازل عن %70 من سلطاته لحكومة تخرج من صناديق الاقتراع. مسيرات الشباب لم تتوقف، وإن كانت أعدادها لم تصل إلى أعداد الذين خرجوا في تونس ومصر واليمن وليبيا... لكن الرسالة وصلت، والدولة تعرف أن الأغلبية الساحقة في المجتمع تتلهف لرؤية الديمقراطية تولد في بلادنا حتى وإن لم تتظاهر في الشوارع. يوم الخميس 3 مارس الماضي، أعلن الملك ميلاد المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي خرج من رحم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي لم يعد صالحا لشيء.
وأعطي المجلس صلاحيات أكبر، ووضع على رأسه اليازمي والصبارالأول شارك في هيئة الإنصاف والمصالحة إلى جانب بنزكري، والثاني وجه حقوقي معروف بجرأته واستقلاليته... استمرت المسيرات مطالبة ليس فقط بدستور ديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، بل كذلك بمحاربة الفساد، فأنشأ الملك مؤسسة الوسيط التي ولدت من رحم عاقر أخرى اسمها ديوان المظالم. لم تتوقف حركة المطالبة بالمزيد من الإصلاح، فاستقبل الملك، أول أمس، عبد العالي بنعمور، رئيس مجلس المنافسة، وقال له: «إنني أعطيت تعليماتي السامية للحكومة قصد إعادة النظر في الإطار التشريعي المنظم لمجلس المنافسة في اتجاه تعزيز استقلاله وتوسيع اختصاصاته، بما فيها الإحالة الذاتية، في أفق الارتقاء بهذا المجلس إلى مؤسسة دستورية قائمة الذات...». ما هو الدور الذي سيقوم به مجلس المنافسة هذا؟ الجواب في بلاغ الديوان الملكي: «المنافسة الشريفة في مجال الاقتصاد- مكافحة اقتصاد الريع- محاربة الاحتكار والامتيازات غير المشروعة- الحكامة الاقتصادية». إنه الجواب عن مطالب «محاربة الفساد» التي رفع شباب 20 فبراير بشأنها لافتات وشعارات وصورا تشير إلى الواقفين وراء هذا الفساد.
الحوار مازال متواصلا، والله يحب العبد الملحاح، وأحوال البلاد تحتاج إلى «مسلسل» مكسيكي من الإصلاحات ومن الضمانات الدستورية والقانونية والسياسية لحماية هذه الإصلاحات من «تسونامي» التراجعات، فالإصلاح مثل شخص يركب دراجة عادية إذا توقف عن السير يسقط وربما يرجع إلى الوراء. الشباب مازال ينتظر جرعات أكبر من الإصلاح، وقرارات فورية وملموسة، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وبداية محاكمة ناهبي المال العام، وإقرار تعويضات عن بطالة حاملي الشهادات، وإصلاح صندوق المقاصة، وإغلاق معتقل تمارة، وإقالة المسؤولين الكبار الذين ارتبطت أسماؤهم بالصفحة التي يريد الشعب طيها الآن... كل هذا لا يساوي شيئا أمام شراء ورقة تأمين على استقرار البلاد في محيط يغلي باللااستقرار.
