!!المغرب استثناء ... و يؤكد القاعدة
الأستاذ : الصادق بنعلال
نصدر في هذه المقالة عن قناعة مبدئية مفادها أن وظيفة الفعل الإعلامي تتمثل في الالتزام بالموضوعية ، و المقاربة " الحيادية " و المسؤولة من أجل تعرية واقع مخصوص ، و تقريب " الحقيقة " إلى القارئ بعيدا عن أية رغبة مسبقة في تضخيم الظواهر أو تحجيمها . من هذا المنطلق نعتقد اعتقادا راسخا أنه من الوهم القول إن المغرب خطا خطوات مستقيمة و ثابتة نحو الممارسة الديمقراطية في الحياة العامة ، و أنه " مسح " الطاولة و أضحى عضوا من أعضاء النادي الديمقراطي ، تماما كما أنه من الجحود عدم الاعتراف بالإنجازات السياسية و الاقتصادية و المدنية التي حققها المغرب مقارنة بباقي الدول العربية " السابحة " في محيط الرمل و النفط و الاستبداد . و نحن إذ نعلن عن هذا المعطى الملموس لا ننطلق من شماتة بئيسة تجاه أشقائنا العرب ، أو اختيالا و زهوا بوطنيتنا العمياء ؛ بل لنؤكد حقيقة يجمع عليها المختصون و المهتمون بالشأن الوطني و الدولي : حقيقة نجاح أصحاب القرار في المملكة المغربية في التعاطي الإيجابي و الموفق مع الأحداث التي تشهدها شوارع و ساحات الدول العربية ، منذ انطلاق الثورتين العربيتين ؛ التونسية و المصرية ، و الانتفاضات الدرامتيكية في اليمن و ليبيا و سوريا و الأردن و البحرين .. فبمجرد أن خرج الشباب المغاربة المنضوون في حركة 20 فبراير إلى الشارع ، في أسلوب حضاري غير مسبوق عربيا ، للتعبير عن مطالب الشعب المغربي المشروعة في محاربة الفساد ، و إحداث الإصلاحات السياسية الجذرية و القطع مع الممارسات السلطوية البائدة ، التقط ملك البلاد الرسالة جيدا و أعلن في خطاب ( 9 / 3 / 2011 ) عن إصلاحات ثورية تشمل الأبعاد السياسية و الدستورية و الجهوية .
و استمر الحوار الحضاري بين الملك و الشعب المغربي و تتالت الاستجابات لصوت الشارع ، دون إراقة دماء أو سلوك طريق العنف البغيض الذي أغرق دولا بكاملها في الدمار والاقتتال الداخلي الأخرق . و هكذا تم تنصيب مجلس الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية و المجلس الوطني لحقوق الإنسان ، و الدعوة إلى توسيع الصلاحيات الرسمية : مراقبة الرشوة و احترام شروط المنافسة في ميدان المال و الأعمال ، و قرار العفو الملكي عن معتقلي الرأي .. قد يقال إن كل هذه الاستجابات إنما جاءت نتيجة ضغط الشارع و نضال الشعب المغربي ، فليكن ، ما العيب في ذلك مادام جسر التواصل و الفهم و الإفهام حاضر بقوة بين " القمة و القاعدة " . و مادام الكل متيقن من أنه لا مفر من الإصلاح العميق الذي يجب أن يمس مختلف مجالات الحياة العامة ، و وضع حد للظواهر السالبة في حياتنا السياسية ، من أجل تأهيل الوطن للاستحقاقات المصيرية القادمة و القريبة ، و لن يتأتي ذلك إلا عبر انتهاج مسالك الحداثة و الممارسة الديمقراطية و التسلح بالمعايير و المواثيق الدولية و القوانين الكونية ، و الاحترام الكلي لقيمنا الحضارية و الدينية الأصيلة، و تفعيل الحكامة الجيدة التي بإمكانها أن تضع حدا للتعاطي الساذج و الفردي مع قضايا الأمة و إشكالات المجتمع ..
و هكذا قد نقول إن " قطار " المغرب على سكته الأصلية ، و هو لكي ينطلق نحو بر الأمان ؛ يحتاج إلى قيادة مسلحة برجاحة العقل و التبصر و الاحترام المطلق للمواطن بغض النظر عن مستواه الاجتماعي و " المعنوي " ، قدر احتياجه لأطر و هيآت سياسية و اقتصادية و ثقافية .. مدربة و قادرة على رفع التحدى ، و نشر ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالرأي و الرأي المخالف ، و تقف في وجه الميولات الأحادية البعد ، و النزعات التسلطية و القمعية ، و إعلام وطني حقيقي و متفتح يغلب المصلحة العليا للبلد على النزوات الذاتية ، و التعامل الشعبوي غير المسؤول مع معطيات راهن المغرب و مستقبله . فما مدى جهوزية المملكة المغربية و استعدادها لربح رهان الإقلاع الديمقراطي ، و بناء مغرب آخر ؛ مغرب استثنائي كعادته يوفر لشبابه العيش الكريم ، و تكافؤ الفرص و العدل و المساواة و التنمية الإنسانية الشاملة ؟ أملنا كبير في أن يستمر مغربنا متميزا عن " مدن الملح " العربية ! و أن يكون نموذجا يحتذى به في الوطن العربي الجريح .
باحث في قضايا الفكر و السياسة
