لعنة "الأغوار" من الكتاب إلى الكتائب.....

لعنة "الأغوار" من الكتاب إلى الكتائب.....

أحمد ونناش

 

 

كم أنت جميلة أيتها الفتاة ، أيتها المدينة الفاضلة ،عشقك المجتمع بدون استثناء ،لأنك وحدك من يمتلك الحقيقة ،زاد جمالك حجتك وبرهانك ،تنطلقين من أبجدية الحوار،للوصول إلى النقاش الفكري ...أنت الساحة التي لا تنتهي ،أنت سوق للحوار وممارسة الديمقراطية،والتي لا تخلو من التساؤل عن أحوال المجتمع...

فضلت فيها الطبيعة والمجتمع ،لتمارسين تفكيرك العقلاني ،تخضعين لبحث دائم ،نقاشاتك كانت هادفة ،تقنع الأطراف المتجادلة ،تعرضين فيها كذلك حلولا للخلل الذي أحدثته الإرهاصات الاقتصادية ،أعدت   الروح إلى الانسجام البشري بعدما كان غائبا، أعدت  الاستقرار والتضامن بين مكونات المجتمع التي مزقته الخرافات والسيطرة المطلقة .لتزهوين بأحلى حلل الإبداع والمبارزة  الفكرية : سياسية وثقافة واقتصادا وفكرا...

" لاغورا "الساحة العامة  اليونانية هكذا سموك ،فيها علمت البشرية الحكمة والعقل ،وكيف تدبر شؤونها اليومية ،إسعادا للإنسان ..وخدمة لتطوره في جو تسودها الكرامة والحرية ..بذلك تجسدين الديمقراطية والفكر العقلاني عن طريق الحوار الذي يهم الشأن العام ،ولا تعرفين الاستثناء..ألفت بذلك كتبا استفادت منها البشرية في تطورها وبناء مستقبلها...كانت مرجع التائهين في معرفة كيفية التأقلم مع متطلبات العصر ..تخرج منها مفكرون وعقلاء ،مازال العالم حائرا في تفكيرهم وتصورهم ،بل مازالت قيد الدراسة ،لفهم بعدها الإنساني ....

أما الآن قد  أصبحت مدللة أيتها الفتاة  ،تمدين يدك إلى طغاة ،يذكروننا  بجبروت "هتلر" ،و"موسوليني" "،وشارون"، تشاركين بدورك معهم ، في قتل أطفال أبرياء في فلسطين ،نخروا ميزانيتك ،جوعوا  إبداعك وفكرك ،جعلك  تمدين يدك إليهم ،وإلى سوقهم المشتركة ،وإلى عملتهم الموحدة ،لعلك تجدين لقمة عيش ،لشعب سمر في تلك الساحة ،ولكن هذه المرة ،ليس من أجل الفكر ،إنما المطالبة بالحرية وتحسين الأوضاع المعيشية لليونانيين ،حولت الحلقات والسوق إلى بطالة دائمة ،رغم أنك لا تعرفين للكسل مكانا ،أوقعت شعبا كاملا في أزمة مالية خانقة ،ولم تعرفي كيف تدبرينها بسلام ،دفعت" أثينا " تخرج من صمتها ومن حكمتها ،منادية بضرورة معالجة الأزمة المالية التي تمر منه ...لكن

استقبل المتظاهرون بالقنابل كما خطط أسيادك  ،سقط فيها شهداء

 ،أصبحت ثقافتك وكتبك لا معنى لها ،في ظل عالم افتراضي ،يكرس التبعية ،والتسلط الفكري ..بل أصبحت رهينة المصالح الغربية...

هذا العالم الافتراضي الكوني  ،الذي أصبح فيه الحوار مفتوحا ، ليبتعد من الأفكار الشائعة التي تخدم متطلبات المجتمع  المدني ..لتسيطر الأفكار التبشيرية ،والمتاهات ،والعولمة ،التي جعل الكل يمر ،ولو لم يعمل ،انقسم فيها العالم إلى تحالفات ،واتجاهات ،وحب السيطرة ،والبقاء للأقوى ،والهيمنة الفكرية ..وحب الذات والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ..

هكذا تغير عصر الفلاسفة والعلماء اليونانيون القدامى، لكن مازالت أبحاثهم وآثارهم وقوانينهم تشع حتى اليوم ،في الفيزياء والكيمياء ،وعلوم الإحياء ،وبالتالي النظريات الفلسفية ،والعلوم بشتى صنوفها ،أصبحت أسماؤهم موشومة في كل ذهن طالب ،رقم قلة العدة التي كانوا يواجهون بها التعليم ،هؤلاء البشر هم البشر الحقيقيين الذين يسعون إلى إسعاد الإنسان لفهم هذه الحياة ،وبتوا بها الأساسيات التي تعمل بها هذه الحياة...

من سقراط إلى أفلاطون إلى فيتاغورس إلى طاليس ،هم حقا أفضل البشر ...هم فعلا أفضل البشر ...

أما اليوم كل هذا التفكير ،وكل هذه الكتب التي تراكمت في الخزانات العالمية والتي كونت عدة حضارات وساهمت في تطور المجتمعات البشرية ، تحولت  إلى آلاف "الكتائب" بمختلف المسميات... ،هدفها  تحقيق المصالح الشخصية ،وفرض توجهات إيديولوجية  ،تخدم أجندات خارجية ،دينية أم سياسية  ،  تبقى رهينة لقيم الغرب ،الذي يقدس رمزيته الدينية والتاريخية ،ويحاول تدمير الحضارات الأخرى ،كما فعل في العراق ،وأفغانستان ،وليبيا ،وهاهو ماض في تدمير ما تبقى من حضارة بلاد الشام ... 

 كتائب تهلل للصليبية ،دون ان تشعر ،مهمتها فقط ،هو إتمام المهمة ،لتنتهي صلاحية المفعول .. هي كتائب لا تعرف إلا  لغة الرصاص ، لتمارس سلطتها وأفكارها الخارجية ،  أصبحت تحاصر وتقتحم  المراكز الثقافية ،تبعث بمحتوياتها وتحرق كتبها ،وإرثها التاريخي ..،تمخض عنها انقسام العالم إلى تحالفات ،وإلى أقليات ،لا تحب ساحة الحوار ،متسلحة بشتى الأساليب لقمع الحرية التي انبثقت من "الأغوار"...حفاظا عن سلطتها المركزية .خلقت معها فوضى عارمة ،إذ مازالت الأوضاع الأمنية غير مستقرة في كل هذه البلدان،التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي  ،بل زادت الأوضاع تأزما ...ولو استيقظ العلماء اليونانيون  ،ليروا ما جنوه بأنفسهم ......

تلك هي لعنتك أيتها "الأغوار" لأنك حولت الكتاب إلى كتائب....؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة