جبل طارق يغيّر قواعد اللعبة: ماذا يعني ذلك لسبتة ومليلية المحتلتين؟

جبل طارق يغيّر قواعد اللعبة: ماذا يعني ذلك لسبتة ومليلية المحتلتين؟

بقلم هفتي ضرار *

لم يعد ملف جبل طارق مجرد تفصيل حدودي بين إسبانيا والمملكة المتحدة، بل تحول إلى سابقة جيوسياسية عميقة ستنعكس، عاجلا أم آجلا، على سبتة ومليلية المحتلتين، أو، إذا شئنا توصيفا أكثر دقة، على الثغرين المغربيين القابعين تحت الإدارة الإسبانية المؤقتة. فالاتفاق الذي أعلن بشأن جبل طارق، والقائم على إزالة الحاجز الحدودي المادي ونقل المراقبة إلى الميناء والمطار، لا يعيد فقط تنظيم الحركة بين جبل طارق وإسبانيا، بل يعيد تعريف معنى الحدود والسيادة والوظيفة السياسية للجدران في غرب المتوسط.

في جوهره، لا يتعلق هذا التحول بجبل طارق وحده، بل بانهيار نموذج أوروبي قديم في إدارة الحدود المتنازع عليها. لقد قبلت مدريد، لأول مرة، بمنطق سياسي مرن يفصل بين تدبير الحركة ومسألة السيادة، أي إنها وافقت عمليا على إزالة الحاجز المادي دون أن يعني ذلك تخلي أي طرف عن مواقفه القانونية. وهذا بالضبط ما يجعل السابقة ذات أهمية قصوى بالنسبة للمغرب، لأن إسبانيا نفسها، التي ظلت لعقود تتذرع بـ"قدسية الحدود" و"أمن الفضاء الأوروبي" لتبرير عسكرة سبتة ومليلية المحتلتين، تقبل اليوم في جبل طارق بمنطق مختلف تماما، حدود أخف، سيادة مؤجلة، وحركة أكثر انسيابية.

هذا التحول يضع مدريد أمام تناقض استراتيجي يصعب إخفاؤه. فإذا كانت قد قبلت إزالة آخر حاجز مادي في جنوب أوروبا، فكيف ستواصل تبرير بقاء الأسوار والأسلاك الشائكة والخنق الحدودي في سبتة ومليلية المحتلتين... وكيف ستقنع أوروبا بأن الجدار في جبل طارق أصبح غير ضروري، بينما يظل "ضروريا" في الثغرين المغربيين المحتلين... هنا تحديدا تبدأ إسبانيا في فقدان تماسك خطابها السياسي، وتبدأ الرباط في كسب نقطة ضغط دبلوماسية بالغة الأهمية.

غير أن الأثر الأعمق لهذا التحول لن يكون سياسيا فقط، بل اقتصاديا أيضا، وإن لم يكن بالضرورة في صالح سبتة ومليلية المحتلتين. فإعادة تشكيل المجال الحدودي في غرب المتوسط لن تعني إنعاش الثغرين المحتلين، بل على العكس، قد تسرع تعميق أزمتهما البنيوية، لأن أي إعادة ترتيب لتدفق السلع والبشر ستدفع نحو مزيد من الضغط على النموذج الاقتصادي الذي عاش لعقود على الاستثناء الحدودي، والامتياز الضريبي، والوظيفة الريعية المرتبطة بالغموض القانوني.

من هذه الزاوية، لا يبدو أن المستقبل يحمل للمدينتين المحتلتين انفراجا اقتصاديا، بل مزيدا من الانكماش. فكل تحول نحو تنظيم الممرات التجارية، وتحديث البنية اللوجستية المغربية، وتقوية البدائل الوطنية، سيؤدي تدريجيا إلى تجفيف الوظيفة الاقتصادية التي منحت سبتة ومليلية جزءا كبيرا من قابليتهما للاستمرار. لقد كان الثغران يعيشان، في جزء مهم من توازنهما، على اقتصاد رمادي غير مستقر، يقوم على الامتياز الحدودي، والتدفقات غير المتكافئة، والتفاوت التنظيمي بين ضفتين، واليوم، هذا النموذج يتآكل.

وفي القراءة المغربية، لا يمكن التعامل مع فكرة المعابر الجمركية مع الثغرين المحتلين بوصفها ترتيبا تقنيا محايدا، لأن تكريسها في هذا السياق قد يفهم قانونيا وسياديا باعتباره إقرارا ضمنيا بواقع الاحتلال، لا مجرد تدبير لوجستي للعبور. ومن ثم، فإن الرهان المغربي لا يتجه نحو إعادة تأهيل اقتصاد الثغرين، بل نحو إعادة بناء المجال المغربي المحاذي لهما بما يفرغ استثنائيتهما تدريجيا من مضمونها الاقتصادي.

وهنا تكتسب المنطقة الممتدة من المضيق إلى الفنيدق ومرتيل وتطوان أهمية استراتيجية متزايدة، ليس فقط لقربها الجغرافي من سبتة المحتلة، بل لأنها مرشحة لتكون أحد أهم مجالات إعادة الهيكلة الاقتصادية في شمال المملكة. فهذه الرقعة تحظى برعاية ملكية خاصة، ضمن تصور استراتيجي يتجاوز منطق التدبير الحدودي الظرفي نحو إعادة بناء وظيفة الشمال المغربي في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، من المنتظر أن تشهد المنطقة أوراشا كبرى لإعادة الهيكلة الاقتصادية، تشمل تطوير البنيات اللوجستية، وتعزيز الخدمات، وإعادة تنظيم سلاسل التوزيع، وربط المجال بشبكات النقل والموانئ، خاصة في امتداده الوظيفي مع ميناء القصر الصغير، بما يضمن إدماج الشمال في دينامية اقتصادية وطنية أكثر تماسكا. غير أن هذا التحول لن يكون ذا جدوى ما لم يواكب بتفعيل فعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا في ما يتعلق ببعض المشاريع التي قدمت سابقا كبدائل تنموية واعدة، لكنها لم تنجح في تحقيق ما وعدت به من إدماج اقتصادي واجتماعي لآلاف الأسر والشباب.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المرحلة المقبلة قد تحمل مراجعة أكثر صرامة لنجاعة هذه البرامج، ليس فقط من حيث التمويل، بل من حيث الأثر الحقيقي، والقدرة على تحويل المجال من اقتصاد انتظار إلى اقتصاد إنتاج. وهذا التحول، إن تم وفق منطق النجاعة لا منطق الإعلان، قد يعيد رسم التوازنات الاقتصادية في المنطقة بشكل أعمق مما يتصور اليوم.

ولا يقتصر هذا التحول على البعد التجاري واللوجستي فقط، بل يمتد أيضا إلى البعد السياحي، الذي ينتظر أن يصبح أحد أعمدة إعادة تموقع الشمال المغربي. فالمضيق ومرتيل والفنيدق وتطوان تملك مؤهلات طبيعية وساحلية وثقافية تؤهلها لتتحول إلى قطب سياحي متكامل، لا بوصفها فقط وجهات موسمية، بل كجزء من اقتصاد خدماتي متنوع قادر على خلق القيمة وفرص الشغل. ومع إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الربط الطرقي، وتطوير العرض الفندقي والخدماتي، ستصبح المنطقة مؤهلة لاستقطاب استثمارات سياحية نوعية قادرة على تعويض جزء من الوظائف التي كان يوفرها الاقتصاد الحدودي الهش.

لقد بدأ هذا التحول بالفعل، لكنه لا يزال في طور التشكل. فالمجال المحيط بسبتة المحتلة يتجه تدريجيا من اقتصاد حدودي هش، قائم على التهريب المعيشي والتدفقات غير المهيكلة، إلى اقتصاد وطني مندمج قائم على اللوجستيك، والخدمات، والسياحة، والتوزيع، وربط الموانئ بالمجالات الصناعية. وهذا الانتقال لن يكون تقنيا فقط، بل سيعيد تشكيل التوازنات الاجتماعية والاقتصادية في الشمال المغربي كله.

وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ"المنطقة الرمادية"، وهي الفضاء الاقتصادي والسيادي الذي ظل لعقود قائما بين المغرب وسبتة المحتلة خارج المنطق الكلاسيكي للحدود. هذه المنطقة لم تكن مغربية بالكامل من حيث التداول التجاري، ولا إسبانية بالكامل من حيث السيادة الاقتصادية، بل كانت فضاء هجينا يقوم على الغموض القانوني، والمرونة غير المعلنة، والتعايش بين الرسمي وغير الرسمي. في هذه المنطقة الرمادية ازدهر التهريب، وتشكلت شبكات الريع، واشتغلت آلاف الأسر على هامش القانون، لكنها في الوقت نفسه ظلت إحدى أكثر الأدوات فاعلية في ضبط التوازن الحدودي بين الطرفين.

اليوم، هذه المنطقة الرمادية تتجه إلى الانكماش، وإغلاقها التدريجي لا يعني فقط نهاية اقتصاد غير مهيكل، بل يعني أيضا ولادة نموذج جديد، من اقتصاد التهريب إلى اقتصاد الممرات، ومن الريع الحدودي إلى اقتصاد وطني منظم، ومن "العيش على الهامش" إلى إعادة إدماج المجال في الاقتصاد الوطني. وهذا التحول، رغم كلفته الاجتماعية القصيرة، سيكون استراتيجيا لصالح المغرب، لأنه يضعف الوظيفة الاقتصادية التي منحت سبتة المحتلة جزءا كبيرا من قدرتها على الاستمرار.

أما سياسيا، فإن أخطر ما في سابقة جبل طارق هو أنها تعيد فتح سؤال السيادة من زاوية جديدة. فحين تقبل إسبانيا في جبل طارق بفصل مسألة السيادة عن تدبير الحدود، فإنها تفقد تدريجيا مبررها النظري لربط السيادة في سبتة ومليلية المحتلتين بقدسية الجدار. ومع مرور الوقت، لن يصبح السؤال من يملك الجدار، بل من يحتاجه أصلا؟ وعندما يفقد الجدار وظيفته، تبدأ السيادة نفسها في فقدان صلابتها الرمزية.

من هنا، فإن تأثير جبل طارق على سبتة ومليلية المحتلتين لن يكون مباشرا أو فوريا، لكنه سيكون عميقا وتراكميا. لن تستيقظ الرباط غدا على نهاية الاحتلال، لكن المغرب سيجد نفسه أمام واقع جديد، إسبانيا بدأت، ولو من حيث لا تريد، في تفكيك النموذج الذي ظل يحمي استثنائية الثغرين لعقود، وحين يتفكك النموذج، يبدأ التاريخ في التحرك.

لهذا، فإن ما جرى في جبل طارق ليس حدثا حدوديا معزولا، بل لحظة جيوسياسية مفصلية في غرب المتوسط. ومن يقرأه فقط كاتفاق عبور، يفوته أنه في العمق بداية إعادة توزيع هادئة للسيادة، والنفوذ، والوظيفة الاقتصادية للحدود، وفي هذا التحول تحديدا، تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للمغرب.

كاتب مغربي متخصص في الجيوسياسة *

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة