العدمية والشعبوية والفساد الانتخابي عناصر كفيلة بضرب البناء الديمقراطي المغربي في الصميم
محمد إنفي
العدمية (Le nihilisme)، ودون استحضار مفهومها الفلسفي، هي التشكيك في كل شيء؛ وهي النظرة السوداوية إلى الحياة العامة والحياة الخاصة. فالعدمي لا ينظر أبدا إلى النصف المملوء من الكأس؛ بل يركز دائما على النصف الفارغ. فهو لا يرى إلا ما هو سلبي. لذلك، تجده يبخس، بل ينكر ما يوجد في بلاده من منجزات تستحق الإشادة، ويستهجن النجاحات التي تتحقق في هذا المجال أو ذاك. فلا التقدم الاقتصادي وتطور البنيات التحتية يروقه، ولا النجاحات الديبلوماسية السياسية والأمنية والاقتصادية والروحية (الدينية) والثقافية والرياضية والحزبية وغيرها، تثير اهتمامه؛ ذلك أن العدمي يستهويه التعميم الذي هو لغة الجهل والجهالة. فحين يتحدث عن الفساد، فهو لا يستثني أي قطاع أو مؤسسة من هذه الآفة؛ فبالنسبة له، كل المنتخبين فاسدين؛ وكل الأحزاب فاسدة؛ وكل مسؤول مهما كانت رتبته، أو موظف كيف ما كان موقعه، فهو مرتشي. ويفهم من هذا أن العدميين، بصفة عامة، يعتقدون أنهم أذكى الناس وأنظف مخلوقات الله ذِمة وأحسن البشر أخلاقا؛ بينما هم، في الواقع، أحط الناس خُلقا وأغباهم فكرا وتفكيرا.
وتجدر الإشارة إلى أن الشعبوية ينتهجها اليمين المتطرف وكذا اليسار المتطرف، في كل البلدان الديمقراطية. وكلاهما يركبان على العاطفة لدغدغة المشاعر من أجل الوصول إلى أهدافهما. وهذا ما يفسر لنا ما نلاحظه أحيانا من تناغم بين تيارين أو اتجاهين يختلفان من حيث منظومة الأفكار والمعتقدات والقيم؛ بينما تجمعهما المصالح، رغما عن الاختلاف في الرؤية للعالم والمجتمع والاقتصاد.
أما الفساد الانتخابي، فهو مفسدة سياسية وأخلاقية تسيء إساءة بليغة للمؤسسات التمثيلية. وقد زاد التغول الأغلبي الحالي في مأساوية الوضع من خلال إفراغ كل المؤسسات التمثيلية من أدوارها الدستورية، بدءً من المؤسسة التشريعية (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، مرورا بالجهات التي تم اقتسامها بالتساوي بين الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية البرلمانية والحكومية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال)؛ إذ كل حزب يرأس أربع جهات؛ واستولوا كذلك على المجالس الإقليمية والمجالس الجماعية المهمة. وعند تشكيل الأغلبية الحكومية، تذرع السيد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المعين، باحترام اختيار الناخبين في تشكيل أغلبيته. وهو، بهذا، قد وجه ضربة موجعة للمؤسسة التشريعية والمؤسسات التمثيلية الترابية. وهنا، يظهر صواب مصطلح "التغول" الذي أطلقه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الأستاذ إدريس لشكر، عقب تشكيل الأغلبية الحالية. لقد أسس أخنوش لسابقة غير ديمقراطية في بلادنا؛ إذ لن تجد لها مثيلا في الدول الديمقراطية العريقة. وقد تعمد أخنوش أن يضعف المعارضة التي منح لها دستور 2011 دورا أساسيا في البرلمان. لكن التغول الحكومي عمل على تقزيم وتحجيم هذا الدور، ضدا على الدستور والتقاليد البرلمانية.
هناك أمل كبير في القوانين الجديدة المتعلقة بانتخابات 23 شتنبر 2026، التي أمر جلالة الملك، محمد السادس حفظه الله، بتحضيرها مبكرا استعدادا لهذا الاستحقاق الهام المنتظر أن يكون نزيها وشفافا يلبي طموحات جلالة الملك والمواطن المغربي التواق إلى مؤسسات تمثيلية حقيقية تتسم بالفعالة وتخدم مصلحة المواطن ومصلحة الوطن وليس المصالح الخاصة، سواء كانت شخصية أو حزبية.
خلاصة القول، العدمية والشعبوية والفساد الانتخابي، ثلاث عوامل تدفع بالعجلة الديمقراطية إلى الخلف؛ وذلك، بالعزف على وتر الفساد وانعدام الثقة إما في الأحزاب أو في مؤسسات الدولة والمؤسسات التمثيلية. وفي هذا الباب، تلعب العدمية دورا كبيرا في العزوف الانتخابي؛ ذلك أن الخطاب العدمي القائم على التعميم وترويج الجهل والأكاذيب، يثبط العزائم لدى الشباب ولدى المترددين وأصحاب الإرادات الضعيفة، سواء خلال فترة التسجيل في اللوائح الانتخابية أو خلال مرحلة التصويت.
وبالنسبة للخطاب الشعبوي، فهو لا يقدم تحليلا عقلانيا مُقنعا ولا حلولا منطقية وواقعية قادرة على مواجهة المشاكل المطروحة في حال الوصول إلى المسؤولية؛ بل يركز على دغدغة العواطف، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لاستمالة المُغفَّلين والبسطاء، بشعارات جوفاء وأفكار سطحية ووعود فضفاضة. فهو يتصيد الأصوات بالعزف على الأوتار الحساسة لدى العامة.
أما بالنسبة للفساد الانتخابي، فالأمل معقود على القوانين الانتخابية الجديدة الصارمة وعلى الجهات المسؤولة عن تنزيل هذه القوانين وتنفيذها على الوجه الأكمل حتى تشكل الانتخابات المقبلة نقلة نوعية تضعنا في مصاف الكبار، تكريسا وتزكية للمكانة المتميزة والسمعة الطيبة التي يحظى بها المغرب على الصعيد الدولي.
