جيل جديد... و قيادات قديمة
سفيان شملال
لم يعد الحديث عن "جيل زيد" مجرد وصف ديموغرافي لفئة عمرية معينة، بل أصبح عنوانًا لتحول عميق في طريقة التفكير والتواصل والتأثير. إنه جيل وُلد في زمن السرعة، وتربى في فضاء مفتوح على العالم، واكتشف منذ سنواته الأولى أن المعلومة لم تعد حكرًا على أحد، وأن الصوت يمكن أن يصل دون وسيط، وأن التأثير لا يحتاج دائمًا إلى إذن مسبق من أحد.
هذا الجيل لا يشبه من سبقه في أدواته ولا في انتظاراته، ولذلك فمن الطبيعي ألا يقبل أن يُنظر إليه كرقم انتخابي عند الحاجة، أو كزينة تنظيمية عند الضرورة، أو كديكور يُستدعى لتجميل الصورة ثم يُعاد إلى الصفوف الخلفية بمجرد انتهاء المشهد.
لقد رفعت الأحزاب السياسية في السنوات الأخيرة شعار التشبيب، وفتحت بعض النوافذ أمام الطاقات الشابة، لكن بين فتح النوافذ وفتح الأبواب فرق كبير، وبين منح الفرصة ومنح السلطة مسافة طويلة. فليس كل حضور مشاركة، وليس كل ترشيح تمكينًا، وليس كل تصفيق اقتناعًا.
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في غياب الشباب عن اللوائح الانتخابية، بل في غيابهم عن دوائر القرار. فكم من شاب مُنح مقعدًا ليبقى القرار بعيدًا عنه ؟ وكم من وجه جديد قُدِّم للجمهور بينما ظلت المفاتيح نفسها في الأيدي نفسها، والعقليات نفسها، والحسابات نفسها ؟
لا أحد ينكر قيمة التجربة، فالأوطان لا تُبنى بالاندفاع وحده، لكن التجربة التي تتحول إلى احتكار، والخبرة التي تصبح مبررًا للاستمرار الأبدي، تفقد جزءًا من قيمتها ومعناها. فالمواقع التي لا تتجدد تذبل، والمؤسسات التي لا تتنفس تختنق، والأفكار التي لا تتطور تتقادم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تنظيم ليس شيخوخة أعمار قياداته، بل شيخوخة أفكاره، وليس طول مدة المسؤولية، بل تحول المسؤولية إلى ملكية، وتحول التداول إلى استثناء، والبقاء إلى قاعدة، والتغيير إلى مجرد شعار يُرفع في الخطب ويُؤجل عند التطبيق.
وجيل اليوم لا يطلب امتيازًا، بل يطالب بحق؛ لا يبحث عن مجاملة، بل عن مشاركة؛ لا يريد أن يرث المواقع، بل أن يستحقها. يريد أن يُقاس بالكفاءة لا بالسن، وبالعطاء لا بالقرب، وبالقدرة على الإنجاز لا بعدد سنوات الانتظار.
فالمستقبل لا يبنيه من يكتفون بحراسة ما كان، بل من يمتلكون الجرأة على تخيل ما سيكون وصناعة ما يجب أن يكون... لذلك فإن تشبيب السياسة لا يبدأ من اللوائح، بل من العقليات؛ لا يبدأ من الصور، بل من القرار؛ لا يبدأ من المنصات، بل من المواقع التي تُصنع فيها الخيارات وتُرسم فيها المسارات.
لقد آن الأوان للانتقال من تشبيب الترشيحات إلى تشبيب القيادات، ومن تجديد الواجهات إلى تجديد النخب، ومن استدعاء الشباب عند الحاجة إلى إشراكهم في صناعة الإرادة.
فجيل جديد يطرق الأبواب كل يوم، والسؤال لم يعد, هل هو مستعد للقيادة ؟ بل هل القيادات مستعدة لفتح الطريق ؟
فالتاريخ يعلمنا أن الأجيال لا تنتظر طويلًا، وأن المستقبل لا يستأذن أحدًا، وأن من لا يفسح المجال للتجديد، قد يجد نفسه يومًا خارج معادلة التغيير.
وحينها لن تكون المشكلة في غياب الشباب عن السياسة، بل في غياب السياسة عن الشباب.
