مقصلة الامتحانات: حين تتحول معاهد الطب والهندسة إلى "جنة خلد"

مقصلة الامتحانات: حين تتحول معاهد الطب والهندسة إلى "جنة خلد"

رجاء الازهري

مع إشراقة شمس الصيف من كل عام، يدخل المجتمع في حالة من الطوارئ القصوى والتوتر العام غير المعلن. لا يتعلق الأمر بحدث مناخي أو هزة اقتصادية، بل بـ "يوم بعث دراسي"؛ نهاية الموسم وبدء موسم الامتحانات.

في هذه الأسابيع القليلة، تُنصب في بيوتنا موازين القسط، وتقوم قيامة أبنائنا، ويُمد صراط نهاية الأسلاك على شفير مستقبل مجهول، ليعبر عليه المراهقون وهم يحبسون أنفاسهم، تحت نظرات الأسر والمجتمع التي لا ترحم. في هذه الملحمة السنوية، لا يظل الامتحان مجرد أداة تربوية لتقييم التحصيل، بل يتحول إلى صكّ غفران أو حكم بالإعدام الفني والمهني. هنا، وفي هذه اللحظة الفاصلة، يُصنف التلاميذ إلى علمي وأدبي، في محاكاة اجتماعية مرعبة لتصنيف "السعيد والشقي".

الخطيئة الأولى: تقزيم الإبداع لـتفريخ "العقول الأداتية"
لقد نجح المجتمع، عبر ترسانة من الأفكار الموروثة والمنظومات التعليمية المشوهة، في خلق تراتبية وهمية تقسم العقول إلى درجات: فمُنحت "الشعب العلمية" صك الذكاء والرفعة، ويُنظر إلى أصحابها كـ "مشاريع عباقرة" يستحقون التبجيل. وفي المقابل، أحيطت الشعب الأدبية والفنية بفيض من العطف والشفقة، وكأنها سلة مهملات تعليمية، أو ملجأ اضطراري لمن "لم يسعفه الحظ" أو خانته نسب الذكاء الرياضياتي.

هذا التقزيم الممنهج للمهن المرتبطة بالآداب والفنون ليس مجرد سوء تقدير، بل هو مؤامرة على وعي المجتمع وبنائه الحضاري. فتضخيم وظائف التخصص العلمي وتأليه الجوانب التقنية البحتة أنتج في عالمنا المعاصر ما تسميته مدرسة فرانكفورت النقدية بـ "العقول الأداتية" أو الممكننة؛ عقول بارعة في لغات البرمجة، والتشخيص العضوي، وحساب الجسور، لكنها عاجزة عن فهم الإنسان، وتفكيك بنية المجتمع، أو تذوق الجمال. إننا نفرخ كفاءات تقنية مفرغة من العمق الإنساني، يسهل برمجتها وتدجينها لأنها تفتقر للحس النقدي الذي تغذيه الفلسفة والعلوم الإنسانية.

تموت الحضارات حين تموت الفنون والآداب لأنها البوصلة الأخلاقية والاجتماعية، فالطبيب يعالج الجسد، والمهندس يبني المصنع، لكن المفكر، والفيلسوف، وعالم الاجتماع هم من يضعون القوانين، ويرسمون البوصلة الأخلاقية التي تحمي هذا الجسد وهذا المصنع من التحول إلى أدوات دمار واستغلال.

تموت الحضارات حين تموت الفنون والآداب لأنها حارسة الهوية والذاكرة الجماعية، فالمهن المرتبطة بالأدب والسينما والمسرح والتشكيل والفكر ليست ترفا أو أدوات للترفيه الزائد؛ بل هي المختبر الحقيقي لصناعة الهوية ونقل التاريخ. بدونهما، تصبح الأمة بلا ذاكرة، وتتحول شعوبها إلى مجرد أرقام في طابور الاستهلاك العالمي.

تموت الحضارات حين تموت الفنون والآداب لأنها المرونة الفكرية في سوق العمل الحديث، ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت المهارات التقنية الصرفة مهددة بالاستبدال الفوري. ما لا يمكن للآلة تعويضه هو الإبداع الفني، الذكاء العاطفي، النقد الفلسفي، والقدرة على تفكيك النص والخطاب؛ وهي عينها المهارات التي تزرعها العلوم الإنسانية.
حين نقزم المحامي، والكاتب، والفنان، والمؤرخ، فإننا نتنازل طواعية عن أدوات صناعة الوعي، ونحكم على حضارتنا بالتراجع، لنكتفي باستيراد الأفكار واستهلاك منتجات الأمم التي عرفت كيف توازن بين علم علمائها وفكر أدبائها.

الخطيئة الثانية: تقديس ثنائية "الطب والهندسة"  
أما الخطيئة الأشد فتكاً بأرواح الناشئة، فهي تلك التي تتجلى بعد ظهور نتائج البكالوريا؛ حيث يشرع "السعداء" ـ بحسب المفهوم المجتمعي السائد ـ في الاستعداد لولوج "جنة الخلد" التي تنصبها معاهد الطب ومدارس الهندسة.
لقد تحولت هذه المؤسسات في المخيال الجمعي إلى بوابات حصرية للخلاص، وإلى صمامات أمان تضمن الوجاهة الاجتماعية والراحة المادية. وفي مقابل هذا التقديس الأعمى، غدت هذه الثنائية البئيسة مقصلة حقيقية للأرواح؛ أرواح أولئك الشباب الذين لم تؤهلهم معدلاتهم، التي قيست تعسفا بأجزاء المائة، لولوج هذه المعاهد، ليجدوا أنفسهم يجرون أذيال الخيبة والوصم بالرداءة والغباء، وكأن الحياة أغلقت أبوابها في وجوههم ولم يعد لذكائهم العاطفي، أو الإبداعي، أو القيادي أي قيمة في بورصة المجتمع.

   المؤسف في الأمر، أن هاتين الخطيئتين الاجتماعيتين قد ترسختا في وجدان المجتمع وسلوكه اليومي كرسوخ عبادة "هبل" في نفس أبي جهل. إنها "أصنام ذهنية" صُنعت في مخيلة المجتمع من بريق المظاهر الباردة، حيث يرفض الأولياء التخلي عنها، مفضلين تقديم مرونة العقول وسلامة النفوس قرابين على أعتاب "البرستيج" العائلي والأمان المادي الموهوم، حتى وإن كان الثمن هو الاحتراق النفسي لأبنائهم، ودفعهم نحو حافة الاكتئاب والاضطرابات النفسية.

ليظل السؤال معلقا مع نهاية كل موسم دراسي: إلى متى سنظل نسوق أبناءنا إلى مقاصل طموحاتنا المؤجلة؟ ومتى ندرك أن الحياة الحقيقية تتسع لكل الطاقات، وأن المجتمع السوي يحتاج إلى المبدع، والمفكر، والفنان، بنفس قدر حاجته إلى الطبيب والمهندس وغيرهم؟ إن تحرير أطفالنا من سجن التوقعات القاتلة، وإعادة الاعتبار للروح والفن والأدب والعلوم الإنسانية، إلى جانب العلوم الحقة، هو الخطوة الأولى والأهم نحو بناء مجتمع إنساني حي متوازن يحترم الاختلاف، لا مصنع كبير لتفريخ آلات بشرية كما شاءها لنا الغير.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة