التعليم في المغرب بين الجودة ونسب النجاح

التعليم في المغرب بين الجودة ونسب النجاح

عبد السلام المساتي

الواضح أن ما يحدث بامتحانات الباكالوريا لهذه السنة مختلف جدا عما اعتدنا خلال السنوات الماضية. فالحزم والإجراءات التدبيرية التي تم اتخاذها هذه المرة توحي بأن محاربة الغش ليست مجرد إجراء شكلي كما اعتقدنا جميعا قبل  بدء هذه الامتحانات بل هي تدابير حقيقية وفعالة وهو ما تؤكده تصريحات الأساتذة والمراقبين والتلاميذ أنفسهم. فاستعمال الهاتف خلال فترة تمرير الاختبار لامست نسبة الصفر في المائة بالعديد من المؤسسات. الأمر الذي سيقودنا لامحالة إلى نسب نجاح متدنية جدا.  فما الذي يحدث بالضبط؟ ألم تعد الوزارة تبالي  بنسب النجاح العالية وصارت تستند إلى الجودة كمحدد لنجاح النظام التعليمي؟ أم أن للأمر علاقة برغبة السيد الوزير في اثبات أن النظام التعليمي السابق لمدارس الريادة ينتج لنا متعلمين دون أسس معرفية حقيقية؟

المتابع وغير المتابع للشأن التعليمي في المغرب، يدرك جيدا أنه ومنذ سنوات طويلة ارتبطت امتحانات الباكالوريا بمشاهد الغش الجماعي وتسريب الأسئلة عبر صفحات الفيسبوك وحسابات الواتساب والتلغرام.. لدرجة أن الأمر أصبح  جزءا من الواقع التعليمي الذي يستحيل القضاء عليه بشكل كامل خاصة في ظل انخراط أغلب الأسر والأهالي في تشجيع أبنائهم على الغش لأنهم يدركون جيدا أن شهادة البكالوريا هي مفتاح بوابة المستقبل على اختلافه. غير أن هذا الوضع الفوضوي كان لا بد أن ينتهي وهو ما يجب أن نشكر عليه الوزارة التي قررت أخيرا الانتقال من منطق التعايش مع الغش إلى منطق محاربته ليس بالشعارات والملصقات بل باجراءات عملية.

وطبعا لهذا التحول تفسيرات كثيرة إلا أن أقربها هو كون السيد الوزير يعي أن نسب النجاح المرتفعة لم تعد كافية لإقناع الرأي العام بجودة المنظومة التعليمية. فالأرقام مهما بدت ملفتة تفقد قيمتها عندما تتأسس على منطق باطل وفاقد للمصداقية. لذلك يبدو أن الرهان هذه السنة لم يكن على عدد الناجحين بقدر ما كان على ضمان أن النجاح يعكس بالفعل مستوى التلميذ الحقيقي.

إلا أن هذا التفسير لا يلغي امكانية نية الوزارة ومعها الحكومة فرض رؤيتها الاصلاحية وجعلها أمرا واقعا. والقصد هنا هو مدارس الريادة التي بدأ العمل بها قبيل سنوات قليلة إلا النقاش حول جدواها مازال مستمرا بين قطب يرى أن هذه المدارس ستكرس فشل المنظومة وبين الحكومة التي ترى أن هذه المدارس هي الفكرة الأعظم التي  ستؤسس ليس فقط لمدرسة الجودة بل وأيضا ستخلق متعلما مبدعا وقادرا على التفاعل مع المتغيرات التي يشهدها العالم. وهو ما لا يتوفر في تلميذ اليوم (مع التحفظ بخصوص بعض الاستثناءات). لذلك فالإجراءات المتخذة للحد من الغش ليست هدفا في حد ذاتها بل مجرد وسيلة لتمرير رسالة مفادها أن خلق تلميذ جيد يبدأ من المرحلة الابتدائية والاعدادية قبل أن يصل لقاعة امتحان الباكلوريا، وهو ما ستحققه له مدارس الريادة. 

في الختام نقول، أن امتحانات هذه السنة قد تكون بداية رؤية جديدة في التعامل مع مخرجات السنة الدراسية والعبور نحو باكلوريا الجودة بدل باكلوريا النسب المئوية التي تتغنى بها الوزارة كل سنة. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة