القائمة الرئيسية
أخبارنا

إذا لم تستحِ فافعل ما شئت.. سلطات الاحتلال الإسباني تحول نجاح المغرب في وقف زحف المهاجرين من جنوب الصحراء إلى اتهام

إذا لم تستحِ فافعل ما شئت.. سلطات الاحتلال الإسباني تحول نجاح المغرب في وقف زحف المهاجرين من جنوب الصحراء إلى اتهام

لم يعد من السهل فهم بعض الخطابات الصادرة من سبتة المحتلة ومدريد، خصوصا عندما يتحول النجاح الأمني المغربي في إحباط محاولات الهجرة غير النظامية إلى مادة للاتهام والتشكيك. فبدل أن تعترف سلطات الاحتلال الإسباني بأن المغرب تمكن من إحباط محاولة جديدة للعبور الجماعي نحو سبتة، اختارت بعض الأصوات الإعلامية والسياسية الإسبانية قلب الوقائع وطرح روايات توحي بأن قدرة المغرب على ضبط حدوده دليل على أنه كان قادرا على منع ما حدث خلال موجات الهجرة السابقة، في محاولة لإعادة تفسير الوقائع الأمنية وفق قراءة سياسية تخدم رواية مدريد.

وفي هذا السياق، يصبح النجاح المغربي نفسه موضع اتهام، وهو تناقض يكشف حجم الارتباك في بعض الخطابات الإسبانية. فعندما ينجح المغرب في منع المهاجرين من الوصول إلى سبتة، تتحول العملية الأمنية إلى مناسبة للتشكيك في نوايا الرباط، وعندما تقع موجات للهجرة غير النظامية، يصبح المغرب مطالبا بتقديم التفسيرات، وكأنه المسؤول عن حماية مدينة لا يعترف أصلا بسيادة مدريد عليها.

ومن هنا، يجب التذكير بأن المغرب لم يكن في حاجة إلى انتظار إذن من مدريد حتى يحمي حدوده، لأن القوات الأمنية المغربية والدرك الملكي والقوات المساعدة والبحرية الملكية وباقي الأجهزة المختصة تتحرك فوق المجال الترابي المغربي لحماية الأمن الوطني ومنع الهجرة غير النظامية ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، وليس لتنفيذ مهمة مفوضة من سلطات الاحتلال الإسباني.

وفي المقابل، فإن نجاح المغرب في وقف محاولات الوصول الجماعي إلى سبتة يكشف حجم الاعتماد الإسباني والأوروبي على الرباط في ضبط المجال المتوسطي. فالموقع الجغرافي يجعل المغرب طرفا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تتعلق بالأمن والهجرة في غرب المتوسط، لكن هذا الدور لا يحول المغرب إلى حارس لمدينة تعتبرها الرباط جزءا من ترابها الوطني.

وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تحاول بعض الأوساط الإسبانية تجاهلها. فمدريد تحتاج إلى التعاون المغربي في ملف الهجرة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تقديم هذا التعاون وكأنه التزام مغربي بحماية الحدود الإسبانية، والحال أن التعاون الأمني شيء والاعتراف بالسيادة شيء آخر تماما. فالمغرب يتعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، لكنه يفعل ذلك انطلاقا من مصالحه الوطنية ومن موقع الدولة المستقلة ذات السيادة، وليس باعتباره جهازا أمنيا تابعا لمدريد أو بروكسل.

كما أن التعاون في هذا المجال لا يلغي الموقف المغربي الثابت من سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين مغربيتين واقعتين تحت الاحتلال الإسباني. فلا يمكن لعملية أمنية مشتركة أو تنسيق ميداني أن يتحول تلقائيا إلى اعتراف سياسي بالسيادة الإسبانية، تماما كما لا تلغي الشراكات الأمنية الملفات السياسية والتاريخية العالقة بين الدول.

والأكثر دلالة أن بعض الخطابات الإسبانية تتعامل مع اختلاف مستوى المراقبة المغربية من مرحلة إلى أخرى وكأنه دليل على وجود قرار سياسي سابق بالسماح بالعبور. غير أن هذا الاستنتاج لا يفرضه الواقع بالضرورة، فمستوى الاستنفار يتغير بحسب الظروف الميدانية وحركة شبكات التهريب وأعداد المهاجرين وتطور أساليب العبور وطبيعة المعلومات الأمنية المتوفرة وانتشار القوات والوسائل التقنية. ولذلك، فإن نجاح عملية أمنية في فترة معينة لا يشكل في حد ذاته دليلا على أن عمليات سابقة كانت نتيجة تساهل متعمد.

ومن هنا، فإن تحويل نجاح أمني مغربي إلى اتهام سياسي لا يمثل تحليلا موضوعيا بقدر ما يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المغرب بما يخدم رواية إسبانية جاهزة. فالمغرب، عندما ينجح في حماية حدوده، يمارس اختصاصا سياديا أصيلا، ولا يتحرك باعتباره طرفا تابعا لمعادلة أمنية أوروبية.

بل إن المفارقة الأكبر تتمثل في أن الضغط الإسباني على الرباط في ملف الهجرة يكشف، بصورة غير مباشرة، حجم الحاجة الإسبانية إلى المغرب. فكلما احتاجت مدريد إلى تشديد الرقابة على محيط سبتة ومليلية، برز الدور المغربي باعتباره عاملا حاسما في ضبط التدفقات. وهذا الاعتماد لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر ضغط أحادي الاتجاه، بل يجب أن يكون مدخلا لشراكة أكثر توازنا تقوم على المصالح المتبادلة والندية والاحترام.

وفي هذا الإطار، لم يعد ممكنا التعامل مع الرباط باعتبارها مجرد حاجز أمني بين إفريقيا وأوروبا. فالمغرب شريك استراتيجي يمتلك مصالح وحسابات أمنية وسياسية واقتصادية خاصة به، ويملك أوراقا جيوسياسية مهمة في غرب المتوسط. ولذلك، فإن التعاون معه لا يمكن أن يقوم على الإملاءات أو الاتهامات، بل على الاعتراف بمصالحه المشروعة وموقعه الإقليمي.

ومن جهة أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي يمتلك منظومة متكاملة لحماية حدوده الخارجية، وإسبانيا، التي تعتبر سبتة ومليلية جزءا من مجالها السياسي والأمني، مطالبان بتحمل مسؤولياتهما كاملة. أما تحميل المغرب الجزء الأكبر من هذه المسؤولية، ثم تحويل نجاحه في حماية حدوده فوق ترابه إلى مادة للاتهام، فإنه يعكس منطق علاقة غير متوازنة لا يمكن أن تشكل قاعدة لشراكة استراتيجية مستقرة.

وبالتالي، فإن سبتة ومليلية لا يمكن اختزالهما في ملف الهجرة فقط. فهما بالنسبة إلى المغرب جزء من قضية الوحدة الترابية، والتعاون الأمني مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي لا يسقط هذه القضية ولا يجمدها ولا يحول الاحتلال إلى واقع سياسي مقبول لدى الرباط.

وفي السياق نفسه، فإن نجاح المغرب في منع مئات المهاجرين من الوصول إلى سبتة لا ينبغي أن يفسر على أنه حماية للاحتلال الإسباني، بل باعتباره ممارسة لاختصاصاته السيادية فوق حدوده ومجاله الترابي، ومحاربة لشبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

وهكذا تتضح حدود الرواية الإسبانية التي تحاول قلب المعادلة. فالمغرب يصبح مطلوبا عندما تحتاج إسبانيا إلى تعاون أمني، ثم يصبح موضع اتهام عندما ينجح هذا التعاون في تحقيق نتائجه. لكن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على مطالبة طرف واحد بتحمل الكلفة الأمنية، ثم تحويل نجاحه إلى ذريعة سياسية ضده.

لقد أثبتت الأحداث أن المغرب قادر على رفع مستوى الاستنفار الأمني في شمال المملكة، وقادر على إحباط محاولات الهجرة الجماعية، وقادر في الوقت نفسه على حماية مصالحه الوطنية دون أن يتخلى عن موقفه السياسي من سبتة ومليلية. وهذه المعادلة يجب أن تكون واضحة لدى الجميع، لأن التعاون الأمني لا يعني التبعية، والتنسيق لا يعني الاعتراف، والشراكة لا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية.

ومن ثم، فإن المغرب ليس حارسا لسبتة ومليلية لصالح إسبانيا، وليس شرطيا للاتحاد الأوروبي، وليس ملزما بحماية الحدود الأوروبية خارج إطار الشراكة والمصالح المتبادلة. المغرب يحمي حدوده، ويواجه الهجرة غير النظامية، ويحارب شبكات التهريب، وفي الوقت نفسه يتمسك بموقفه الوطني من المدينتين المحتلتين.

أما محاولة تحويل هذا النجاح إلى اتهام للرباط، فهي لا تغير من حقيقة المعادلة شيئا، بل تؤكدها أكثر. فكلما نجح المغرب في وقف موجات الهجرة، ظهر حجم الدور الذي يلعبه في أمن غرب المتوسط، وكلما حاولت بعض الأصوات الإسبانية الطعن في هذا النجاح، ازدادت وضوحا حقيقة الاعتماد الجغرافي والأمني على المغرب.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تفرض على إسبانيا والاتحاد الأوروبي التعامل مع المغرب باعتباره شريكا سياديا كاملا، لا باعتباره مجرد جدار أمني متقدم. فالمغرب سيواصل حماية حدوده، وسيواصل مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، وسيواصل التعاون مع شركائه عندما تكون المصالح متبادلة، لكنه لن يسمح بتحويل هذا التعاون إلى وصاية سياسية أو إلى وسيلة للمساس بثوابته الوطنية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن المغرب، عندما يحمي حدوده، لا يحرس الاحتلال، بل يحمي أمنه وسيادته ومصالحه الوطنية، وأن سبتة ومليلية تظلان، في الموقف الوطني المغربي، مدينتين مغربيتين تحت الاحتلال الإسباني، ولن يؤدي التعاون في ملف الهجرة إلى تغيير هذه الحقيقة أو إسقاط هذا الموقف.

وإذا لم تستحِ بعض الأصوات الإسبانية من تحويل نجاح المغرب في وقف زحف المهاجرين من جنوب الصحراء إلى اتهام، فإن الرد المغربي لا يحتاج إلى ضجيج إعلامي، لأن الوقائع نفسها تكفي لتقول إن المغرب يحمي حدوده فوق أرضه من منطلق الحفاظ على أمنه الوطني العام، ويتعاون مع أوروبا من موقع الشريك، ولا يعمل لحماية احتلال لا يعترف به.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.