ترسّخ الرباط ومدريد، خلال السنوات الأخيرة، شراكة أمنية استراتيجية عميقة، تجاوزت منطق التعاون الظرفي لتتحول إلى إحدى الركائز الأساسية للأمن الإقليمي في غرب المتوسط، عبر تنسيق متزايد في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهديدات العابرة للحدود، وصولا إلى مواجهة التداعيات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء.
ولا يمكن فهم هذه الشراكة بمعزل عن الجغرافيا السياسية التي تجمع البلدين، فالمغرب وإسبانيا يقفان على ضفتي فضاء متوسطي شديد الحساسية، تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والأمنية وحركة الأشخاص والبضائع والطاقة، كما تتقاطع فيه تهديدات الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والمخدرات والهجرة غير النظامية.
لهذا السبب، أصبح الأمن أحد أكثر المجالات التي تكشف عمق التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية. فالتعاون بين الأجهزة الأمنية لم يعد مجرد تنسيق تقني بين دولتين متجاورتين، وإنما أصبح آلية متقدمة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات وتحييد المخاطر قبل انتقالها من بؤر التوتر في إفريقيا إلى المجال الأوروبي والمتوسطي.
والأرقام الرسمية الإسبانية تقدم دليلا واضحا على هذا التحول، فمنذ سنة 2014، نفذت الشرطة الوطنية الإسبانية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية 31 عملية مشتركة في مجال مكافحة الإرهاب، أسفرت عن توقيف 150 شخصا، بينهم 83 في إسبانيا و67 في المغرب. وتصف مدريد هذه العلاقة العملياتية بأنها ركيزة أساسية في استراتيجية مواجهة التهديد الجهادي.
هذه الأرقام لا تعكس فقط نجاحا في عدد العمليات والتوقيفات، بل تكشف عن تطور نوعي في مفهوم التعاون الأمني نفسه، من تبادل المعطيات إلى إنتاج قدرة مشتركة على التوقع والتدخل.
وهنا يبرز الدور المركزي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، التي أصبحت شريكا أمنيا أساسيا لإسبانيا في تفكيك الشبكات الإرهابية العابرة للحدود.

■ الحموشي.. هندسة الثقة الأمنية
وفي قلب هذا المسار المؤسساتي، يبرز عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، باعتباره أحد أبرز مهندسي هذا النموذج من التعاون الأمني.
ففي أبريل 2025، استقبل حموشي في الرباط رئيس الاستخبارات بالحرس المدني الإسباني، لويس بيلايز بينييرو، في أول زيارة دولية له بعد توليه منصبه. وركزت المباحثات على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، مع إيلاء اهتمام خاص للتهديدات القادمة من مناطق النزاع، ولا سيما الساحل والصحراء.
والدلالة الاستراتيجية لهذه الزيارة تتجاوز بعدها البروتوكولي، فاختيار المغرب كأول وجهة خارجية لمسؤول أمني إسباني بهذا المستوى يعكس حجم الثقة المتراكمة بين المؤسسات الأمنية في البلدين.
كما أن اللقاءات الأمنية التي يقودها حموشي مع المسؤولين الإسبان تكشف عن تحول التعاون من مجرد معالجة التهديدات القائمة إلى بناء رؤية استباقية مشتركة.
وهذه النقطة بالذات هي جوهر الأمن الحديث، ألا تنتظر الدولة وصول الخطر، وإنما تعمل على اكتشافه وتفكيك بنياته قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر.
■ الساحل والصحراء.. العمق الحقيقي للشراكة
يخطئ من يختزل التعاون المغربي الإسباني في ملف الهجرة أو في حماية الحدود.
فالعمق الحقيقي للشراكة يرتبط، بصورة متزايدة، بمنطقة الساحل والصحراء، حيث أدى تراجع الاستقرار السياسي والأمني وتوسع نشاط الجماعات الإرهابية والشبكات الإجرامية إلى خلق بيئة استراتيجية جديدة، تمتد تداعياتها من غرب إفريقيا إلى شمالها، ثم إلى جنوب أوروبا.
ومن منظور مدريد، فإن أي تدهور أمني واسع في الساحل لا يبقى شأنا إفريقيا محضا، لأنه يمكن أن يتحول إلى مصدر مباشر للهجرة غير النظامية والإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والمخدرات.
أما المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الإفريقية وخبرته الأمنية، فيمتلك قدرة متقدمة على رصد التحولات القادمة من الجنوب والتعامل مع انعكاساتها.
ولهذا، فإن التعاون بين الرباط ومدريد في هذا المجال يكتسب بعدا يتجاوز الثنائية المغربية الإسبانية، ليصبح جزءا من منظومة أوسع لحماية أمن غرب المتوسط.
وتؤكد الوثائق الرسمية الإسبانية المغربية أن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات الجديدة، بما فيها التهديدات المرتبطة بمناطق النزاع، تشكل جزءا أساسيا من التعاون الأمني بين البلدين. كما شدد الاجتماع رفيع المستوى المغربي الإسباني، في دجنبر 2025، على مواصلة تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والاستراتيجية والعملياتية، وعلى أهمية مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا والساحل.
■ المغرب.. شريك أمني وليس مجرد دولة عبور
هذه المعادلة تفرض إعادة النظر في الصورة التقليدية للمغرب داخل المنظومة الأمنية الأوروبية.
فالمغرب لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره دولة تقع على طريق الهجرة نحو أوروبا، وإنما باعتباره شريكا أمنيا يمتلك قدرة مستقلة على إنتاج المعلومات الأمنية وتفكيك الشبكات الإرهابية والإجرامية.
وهذا فارق جوهري.
فالدولة التي تمنع تهديدا قبل وصوله إلى حدود شريكها لا تؤدي وظيفة "حارس الحدود"، وإنما تؤدي وظيفة شريك استراتيجي في الأمن المشترك.
وهذا تحديدا ما تؤكده التجربة المغربية الإسبانية خلال أكثر من عقد من التعاون العملياتي.
■ الدبلوماسية والأمن.. منظومة واحدة
كما أن تطور التعاون الأمني لم يحدث في فراغ سياسي.
فالعلاقات المغربية الإسبانية عرفت، منذ 2022، إعادة بناء واسعة على أساس خارطة طريق جديدة، ثم انتقلت تدريجيا إلى مستوى أكثر استقرارا من التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة الدولية المعاصرة، فعندما تتراكم المصالح الأمنية بين دولتين، تصبح المؤسسات الأمنية نفسها إحدى ركائز الاستقرار الدبلوماسي.
فالأمن يحمي المصالح الاقتصادية، والدبلوماسية توفر البيئة السياسية للتعاون، والتعاون الأمني يعزز الثقة، والثقة بدورها تقلل من مخاطر تحول الخلافات الظرفية إلى أزمات استراتيجية.
وهذا لا يعني غياب الخلافات بين الرباط ومدريد، وإنما يعني امتلاك الطرفين من المصالح المشتركة ما يكفي لمنع الخلاف من تقويض البنية الاستراتيجية للعلاقات.
■ 2030.. الشراكة تدخل مرحلة جديدة
وسيكون تنظيم كأس العالم 2030، بمشاركة المغرب وإسبانيا والبرتغال، اختبارا مهما لهذه المنظومة.
فهذا الحدث العالمي سيفرض تنسيقا أمنيا عالي المستوى في مكافحة الإرهاب، وتأمين المنشآت الرياضية، وحماية الحدود، وتبادل المعلومات، والأمن السيبراني، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتأمين حركة ملايين المسافرين والمشجعين بين ضفتي المتوسط.
ومن ثم، فإن ما يتم بناؤه اليوم بين الأجهزة الأمنية المغربية والإسبانية لا يخدم فقط مواجهة المخاطر الحالية، بل يؤسس أيضا لقدرة مشتركة على إدارة التحديات الأمنية المرتبطة بأكبر حدث رياضي عالمي ستحتضنه المنطقة.
وقد ناقشت الرباط ومدريد بالفعل جوانب التنسيق الأمني المرتبطة بكأس العالم 2030 خلال مباحثاتهما الأمنية، بما يعكس اتساع نطاق التعاون من مكافحة الإرهاب إلى الأمن الاستراتيجي متعدد المجالات.
إن الشراكة الأمنية المغربية الإسبانية أصبحت اليوم أحد أهم مكونات الاستقرار في غرب المتوسط.
فالمغرب يمثل بالنسبة إلى إسبانيا شريكا أمنيا متقدما في الضفة الجنوبية، بينما تمثل إسبانيا بالنسبة إلى المغرب بوابة أوروبية وشريكا أساسيا في المجال المتوسطي.
لكن الأهم أن العلاقة لم تعد محكومة فقط بمنطق الجوار، وإنما بمنطق الاعتماد الأمني المتبادل.
فما يحدث في الساحل والصحراء يمكن أن يؤثر في المغرب، وما يؤثر في المغرب يمكن أن يمتد إلى إسبانيا، وما يصل إلى إسبانيا يمكن أن يصبح قضية أوروبية.
ومن هنا تتضح القيمة الاستراتيجية للدور الذي تضطلع به المؤسسات الأمنية المغربية، وعلى رأسها منظومة DGSN-DGST بقيادة عبد اللطيف حموشي.
إن قوة هذه المنظومة لا تكمن فقط في قدرتها على تفكيك الخلايا الإرهابية داخل المغرب، وإنما أيضا في قدرتها على العمل ضمن شبكات تعاون دولية وإقليمية، وتبادل المعلومات، والمساهمة في منع انتقال التهديدات عبر الحدود.
ولهذا، يمكن القول إن الرباط ومدريد لا تبنيان اليوم مجرد تعاون أمني ثنائي، بل تساهمان في تشكيل حزام أمني متوسطي يمتد من الساحل والصحراء إلى جنوب أوروبا.
وهذه هي القراءة الأعمق للشراكة المغربية الإسبانية:
إنها شراكة لا تحمي حدود دولتين فقط، وإنما تساهم في حماية استقرار إقليمي كامل.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.