إذا كان بعض الإسبان يزعمون أن المغرب لم يولد إلا في عام 1956، فليسمحوا لنا أن نطبق منطقهم ذاته عليهم، فنصل إلى نتيجة لا تقل إدهاشا، وهي أن إسبانيا نفسها، بالمعنى السياسي والقانوني الذي يحتجون به، لم توجد إلا في عام 1975. فالدولة الإسبانية التي نعرفها اليوم، بدستورها الديمقراطي وملكيتها البرلمانية، لم تولد فعليا إلا بعد وفاة الديكتاتور فرانكو في 20 نوفمبر 1975، حين تسلم خوان كارلوس الأول مقاليد الحكم، وبدأت عملية انتقال معقدة نحو الديمقراطية، بلغت ذروتها بإقرار الدستور الإسباني في استفتاء 6 ديسمبر 1978. فإذا كانت العبرة بالشكل السياسي الأخير للدولة، فإن إسبانيا الديمقراطية دولة حديثة النشأة لا تتجاوز عقودا قليلة، ومن ثم فإن الاحتجاج بتاريخ الإمبراطورية لتبرير السيادة اليوم، مع إنكار التاريخ المغربي الطويل الذي يمتد لآلاف السنين، ليس سوى تناقض صارخ يفضح نفسه بنفسه، وكأن التاريخ يُصنع حسب الرغبة، لا حسب الوقائع الثابتة.
والأكثر إثارة للدهشة أن إسبانيا وقعت معاهدات دولية مع سلطان المغرب في أعوام 1860 و1894 و1912، وهو العام الذي فرضت فيه الحماية على أجزاء من التراب المغربي. وعقد هذه الاتفاقيات مع دولة غير موجودة، حسب زعمهم، هو دليل قاطع على وهن هذا الادعاء، فالمغرب كان ممثلا بسلطانه ومؤسساته قبل عام 1956 بقرون طويلة. فمن كان يحكم الرباط وفاس ومراكش طوال تلك القرون إن لم يكن سلاطين المغرب؟ ومن كان يقود الجيوش التي دخلت الأندلس ودافعت عن شمال إفريقيا إن لم يكن أبناء هذا الوطن العريق؟ إن هذا النفي المتعمد للتاريخ المغربي لا يصمد أمام أبسط تدقيق، بل يكشف عن خطاب سياسي يهدف إلى تبرير وضع قائم بالقوة لا بالحق، ويعتمد على انتقاء التواريخ بما يخدم الرواية الإسبانية، ويتجاهل ما قبلها تماما.
أما فيما يخص سبتة ومليلية، فقبل الاحتلال الإسباني كانت هاتان المدينتان تحت حكم الأسر المغاربية التي حكمت شمال إفريقيا، وتحديدا المرينيين والوطاسيين، الذين هم أسلاف مباشرون للدولة المغربية الحديثة. فالوجود العسكري الإسباني لا يمحو ذلك الماضي السابق، مهما حاول البعض تغليف احتلاله بغطاء تاريخي واهٍ.
وعلى الصعيد القانوني والدولي، تظل قضية سبتة ومليلية مفتوحة في الأمم المتحدة منذ 1960، وعادت إلى الواجهة بقوة في يوليو 2026 مع أزمة عبور ستين ألف مهاجر من السواحل المغربية، مما جدد النقاش حول السيادة، وأكد أن النزاع حي وقانوني، وليس مجرد سردية تاريخية. وفي العام ذاته الذي يزعمون فيه ميلاد إسبانيا الحديثة، كان المغرب يحقق انتصاره الأعظم باسترجاع الصحراء الغربية عبر المسيرة الخضراء بقيادة الحسن الثاني، ليكتب فصلا جديدا من مجده، ويؤكد أن السيادة تُسترد بالتضحيات لا بالمنح.
لكن هذا النصر لم يكتمل، إذ تبقى الصحراء الشرقية المغربية الشاسعة، التي تضم تندوف وبشار وأدرار وتوات وتيديكلت وقورارة، وتمتد على مليون ونصف كيلومتر مربع، تحت الاحتلال الجزائري بعد أن اقتطعتها فرنسا الاستعمارية من السيادة المغربية التي كانت تمتد إليها عبر قرون، وهو ما تؤكده وثائق الخزانة الملكية ومؤرخون فرنسيون مثل مولييراس، حيث كانت هذه المناطق تدفع الضرائب للسلطان وتعترف ببيعة المخزن.
هذا الاقتطاع بدأ بمعاهدة لالة مغنية سنة 1845، وتعزز باتفاقية 1901-1902، واستمرت فرنسا في توسيع رقعة الجزائر على حساب المغرب حتى جعلتها 2.3 مليون كيلومتر مربع عند الاستقلال، رغم أن تندوف ظلت مغربية حتى 1952، وعندما استقلت الجزائر عام 1962 سلمتها باريس لها غصبا. والموقف الفرنسي لا يقل غموضا، فهي تمتلك وثائق تفضح جريمة الاقتطاع، واعترفت رسميا بمغربية الصحراء الشرقية، بل أجرى ديغول تجاربه النووية في الركان عام 1958، مما يجعل باريس شريكا في الاحتلال وضامنا ضمنيا للوضع القائم. وفي المقابل، يتمسك النظام العسكري الجزائري بهذه المغتصبات، مستغلا البوليساريو، ومتجاهلا وعد فرحات عباس السابق بإرجاعها، وكأنه وريث للاستعمار الفرنسي بكل ما خلفه، بينما يواصل المغرب مطالبته بها كما طالب بالصحراء الغربية.
ولا تكتمل الوحدة الترابية دون استرجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فالمغرب، بقيادة الملك محمد السادس، يواصل كفاحه الدبلوماسي مدعوما بإرادة شعبية صلبة، لأن الحق لا يسقط بالتقادم، والمحتل مصيره الزوال، وسيأتي يوم يعود فيه كل شبر مغتصب إلى الوطن.
وفي النهاية، التاريخ لا يبدأ ولا ينتهي عند تواريخ انتقائية، فالمغرب كان كيانا عريقا قبل 1956، كما كانت إسبانيا قبل 1975، ومن ينكر وجود الآخر بتغيير نظام حكمه فعليه تطبيق هذا المنطق على نفسه. وسيبقى المغرب موحدا، ملكا وشعبا، متمسكا بكل ذرة تراب، ماضيا في استكمال وحدته حتى يعود كل مغتصب إلى صدر الوطن الحبيب.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.