لنغير سلوكنا تجاه "موازين"

لنغير سلوكنا تجاه "موازين"

محمد الخالدي

 

أزيد من عقد من الزمن ونحن نعيش كل سنة على إيقاعات ونغمات الدعوة إلى إلغاء مهرجان "موازين".  منا من تخصص في دق الطبول لينذر بحلول المعركة السنوية ضد هذا المهرجان. ومنا من تفنن في العزف على الكمان ليتحف الشعب كل مرة  بألحان شجية تخشع لها القلوب وتقشعر منها الأبدان، يندب بها حظ هذه الأمة التعس ويتقطع بها حسرة وألما على وجود مثل هذا المهرجان. ومنا من فضل البوق ينفخ فيه بلا كلل ولا ملل، معلنا بصوت جهور حالة الطوارئ في صفوف أبناء هذا الوطن الحبيب. حتى أصبح المشهد كأننا فرقة من "الجوقة النحاسية" تتصدر لائحة المشاركين في "موازين"،  لكن من منصة لا تكسب درهما ولا "دولارا".

وكعادتنا في كل سنة نهزم شر هزيمة، فيخرج المهرجان منتشيا بفوزه الساحق في هذا "الكلاسيكو"، ونخرج نحن لنلقي اللوم على الآخر. هذا الآخر بطبيعة الحال هو الحكومة. فهي التي وفرت لهم الفضاء السمعي والبصري، وهي التي هيأت لهم منصات العرض، وهي التي جيشت رجال الأمن بشتى أصنافهم وألوانهم لإنجاح "العرس الثقافي"، وهي التي... وهي التي... وهي التي... وفي جملة واحدة هي التي لم تمنعه أصلا.

يا من ننادي بإلغاء "موازين" و"إخوان موازين" في ربوع المملكة، علينا أن ندرك جيدا أن المعركة ما هكذا تخاض. وعلينا أن نعي جيدا بأن أسلحتنا بدائية، وخططنا مكشوفة أمام هذا الأخطبوط الذي تسيره عفاريت الظلام وتماسيح المستنقعات. يا من نريد أن نتخلص من هذا الكابوس المرعب الذي يهدد أبناءنا وشبابنا في قيمهم وثقافتهم الأصيلة، وينزع العفة منهم، لنغير سلوكنا وأحوالنا، ونجدد أساليبنا في هذه المعركة الضروس. ولا أرى إلا أمورا ثلاثة إذا تغيرت فينا  قطعنا دابر هذا الوحش الذي تغول على المجتمع وقض مضجعه. وهذا بيانها كما الآتي:

*أولا: أستغرب أيما استغراب عندما ألمس شبه إجماع لدى العامة على إلغاء مثل هذه "المهازل الثقافية". لكن يقابل هذا الإجماع (في تناقض صارخ) حضور جماهيري مكثف للمنصات "الفنية" يقدر بعشرات الآلاف من أبناء هذا الوطن. هذا يدل على أن عموم الناس عندهم قابلية فكرية ونفسية ووجدانية للتفاعل مع "موازين وإخوانه"، رغم أنهم لا يقبلون مثل هذه التفاهات في قرارات أنفسهم. إذن ما علينا إلا أن نعدم هذه القابلية من خلال غرس القيم النبيلة في نفوس الشباب وتحسين ذوقهم الثقافي وربطهم بالفن الحقيقي وبأصحابه، لتصبح المعادلة كالآتي: "عزوف ومنصات فارغة فإفلاس ثم اندثار". لكي تتضح الصورة أكثر، أضرب مثلا بما حدث في السنوات القليلة الماضية أيام رمضان. حيث خرجت علينا جماعات تريد الإفطار علنا بدعوى الحرية والتحرر، فما كان إلا أن عادوا إلى جحورهم خائبين صاغرين. لم تستجب لهم إلا نفوسهم المريضة (نسأل لهم الهداية)، لأن الناس ما زالوا متشبعين بقدسية الصيام في رمضان. فلو أحيينا في المجتمع قيم الحياء والذوق السليم ولقنا الناس فنا نقيا يليق بفطرة الإنسان، لما نجح "موازين" ولا "إخوان موازين".

*ثانيا: لنعلم أن "موازين وإخوانه" إنما هي وسائل لتحقيق غايات كبرى ترمي إلى إفساد المجتمع وفصله عن هويته القيمية والثقافية، فالمعركة أكبر من تنظيم مهرجان هنا وآخر هناك، المعركة مشروع تخريبي بامتياز. كلعبة الشطرنج، قد يشغلك منافسك بقطعة يكون اكتسابها سهل المنال، لكنه يخطط لما هو أكبر من ضياع قطعة منه، يخطط ليفاجئك بالعبارة الشهيرة في اللعبة "كش مات" أي أوقعت "ملكك"، وانتهت بذلك اللعبة. إذن لنغير سلوكنا ونتحد من أجل مجابهة "المشروع التخريبي"، ولتكن معركتنا أكبر من محاربة مهرجان لن نغنم من إسقاطه الشيء الكثير. أجد لكلامي هذا ما يعززه من السيرة النبوية الشريفة حين عقد الرسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع قريش. رغم أنهم  فرضوا كل بنوده على المسلمين، لم نجد من الرسول الكريم إلا أن واجههم ببعد نظر قل نظيره، حيث لم تستوقفه جزئية كهذه في معركته الكبرى، فكان لهذا الصلح الأثر الكبير في قلب موازين القوة لفائدة المسلمين.

*ثالثا: إن ثقافة الإشارة بالأصبع إلى الغير لا تنفع في مثل هذه المعارك الحاسمة. أقصد بذلك مطالبة الحكومة بمنع المهرجان وتحميلها مسؤولية بقائه. فهذا في نظري أسلوب لن يجدي نفعا، خصوصا وأن الحكومة الحالية تحيط بها "التماسيح" من كل جانب. فإن هي أقدمت على أمر كهذا ستقوم الدنيا ولن تقعد فيخرج علينا المنجمون من الأحزاب المتربصة لينتصروا لأنفسهم قائلين: "هذا ما نبأناكم به في الأيام الخالية، إنهم قوم رجعيون ظلاميون متزمتون" .وتطل علينا جمعيات حقوقية وأخرى فنية وثقافية من كل حدب ينسلون. فتندلع معارك نحن في غنى عنها، وحتما ستكون خسائرها أفدح من أمر وجود مهرجان "كموازين". لنغير سلوكنا ولنرفع الحرج عن حكومة نحسب أنها صادقة في خوض غمار الإصلاح الذي ينشده كل الناس. 

ختاما أقول إن وجهة نظري هذه أخاطب بها الغيورين على شباب هذا الوطن والصادقين في دعواهم لمحاربة "موازين وإخوانه"، والراغبين حقيقة في الإصلاح والتغيير. أقول هذا وأنا أعلم جيدا بأن عددا من الذين يطالبون بإلغاء "موازين"، إنما يريدون خلق الفتنة والتشويش على مسلسل الإصلاح الذي بدأت أولى حلقاته بوصول من سيمضي قدما نحو الخير لهذه الأمة إلى تسيير الشأن العام. وأقول أيضا إن المسؤولية جسيمة هي التي على عاتق المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات وأحزاب شريفة في تأطير أبناء الوطن وتوجيههم الوجهة الصحية لتحصينهم من "موازين وإخوانه".   

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة