موازين زمن خلل الموازين
الحسين أربيب
عاد مرة أخرى مهرجان موازين ككل عام ليجدنا مازلنا لم نضبط بعد خلل موازين أحوالنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بل كانت لنا إضافات وتفنن في وضع" نوطات" جديدة في سلم اللحن السياسي النشاز، كما لو أن كل ما يجري لنا لم يعد يكفي،ليشفي غليل السياسيين الذين يمارسون علينا عدم تمرسهم وجهلهم بكل قصد واستهداف ممنهج ، وإلا كيف يمكن تفسير كل هذه الضربات التي تتعرض له قدرة المواطن الشرائية وحرياته؟ وكيف يمكن أيجاد بصيص من الأمل في سياسة تنبت اليأس وتغلق الأبواب في وجه الشباب، بتقديم مبررات الأزمة العالمية وارتفاع البترول ، وزيادة المديونية والتضخم إلى آخر المعزوفة التي جاء مهرجان موازين ليغطي جوانب منها ولتضيع بين هتافات شباب لم يحتكوا بعد بدوائر الزمن المغربي ، لأن الآباء هم الدروع البشرية في مواجهة متطلباتهم في غياب تام من الدولة التي لا يهمها سوى حماية أمنها من زاوية ضيقة ولا تتحرك إلا إذا كانت حرارة الشارع مرتفعة وقابلة لتتحول إلى خطر يهددها . وتقوم بالترقيع وتخترع مهدئات لا تلبث أن تنكشف عدم فعاليتها لجسم مجتمع يقف مسندا بأعمدة من خشب تأكل مع الزمن السياسي الرديء الذي جعل أمور الشعب في كف من يخشى العفاريت وكثير من قبله لم يكونوا يخشون إلا فقدان مناصبهم ، كلهم ساهموا في الوضع الحالي فصاروا يبحثون عن مشاجب لسياستهم الفاشلة ، ويواجهون الواقع السياسي بكم من الخطابات التي لا تحمل إلا الكلام ولا شيء غير الكلام ، في الوقت الذي يحتاج الوطن وأبنائه للعمل والتطبيق ، فها هي نصوص الدستور الجديد تنتظر التطبيق والتنزيل كما يقولون كما لو أنها في السماء ، والحال أن البنية السياسية المغربية الحالية غير قابلة للتطور إلا من خلال التخلي عن العقلية التي لها روابط بالفكر الاحتكاري في كل المجالات السياسية والاقتصادية ، لابد من ترك اللعبة السياسية مفتوحة وعدم تقييدها بالقفول التي صدئت وصعب فتحها . فلو جئنا بدساتير العالم المتقدم لن نحرك ساكنا لأن الوثيقة الدستورية تحتاج إلى روح لتبث فيها الحياة ، تحتاج إلى نخبة تدفع المبادئ الدستورية ،من حقوق وحريات وواجبات عبر سلوكها اليومي تجاه الوطن والمواطنين وعبر عملها في الإدارة والمعاهد والكليات والمصانع والحقول والبرهنة على المواطنة الحقة وليس التحرك ضمن أنانية تصل إلى مرض نرجسي يمارس كل العقد على من يتعامل معه وله حاجة به ضرورة يومية سواء كانت وثيقة إدارية أو فحص طبي أو تقني أو استشارة وغيرها من الحاجيات الحياتية التي تجعل المجتمع في حركية تنموية وإنتاج مرغوب لدفع عجلة التطور الى الأمام . فلا شيئ في الأفق سوى أن القادم من الأيام والسنين ستكون صعبا المواجهة علينا نحن المحتاجين لأمور حياتية ضرورية للقدرة على قفل دائرة اليوم والشهر بمتطلبات تزيد كل يوم إلحاحا لأن الركود الذي تميزت به سياسة البلاد ، في الوقت الذي الكل وجب عليه المساهمة في تحريك هذا الواقع السياسي ودفعه للتفكير في الحلول التي لا تنعدم للاستجابة لمتطلبات جيل بكامله يبحث عن منافذ ليتخلص من البطالة والفاقة وتحقيق أحلامه التي ليس سوى الحصول على عمل وبناء سكن في محيط يحفظ كرامته وأمنه وحريته . جاء مهرجان موازين في ظل اختلال موازين السياسة التي تمارسها حكومة لا تعرف أين تضع رجلها لأن كل القطاعات أصبحت أرضا متحركة تحت قدميها، فالصحة مازالت على حالها معلولة والتعليم الذي لا يشغل صاحبه ما فائدته؟ والشغل الذي لا يوجد وإذا وجد فبلا حقوق ولا تغطية صحية، وأين الوعود الإنتخابية هل ذهبت مع الرياح؟ . مهرجان نضحك فيه على ذواتنا ، ونلبسها رداء من ما بين العري والغطاء، بين منزلتين تلك هي سياسة المسؤولين ، رجل هنا ورجل هناك. ولكن لا وجود لأحد لما تقوم الأمور الجدية ، كل يغطي الشمس بالغربال .فها هي قضيتننا الوطنية بين أطماع الدول الكبرى ومنظمات لها دوافع أخرى غير حماية حقوق الإنسان تعربد علينا لأن مدبري الملف الصحراوي لم يتعاملوا معه بكل جدية التي تقتضي أولا المكاشفة والمشاركة بين كل الفاعلين الحزبيين وغيرهم لمعطيات ومحطات الملف على جميع الأصعدة ، وليكن ذلك على الأقل من باب الحق في المعلومة التي مازالت لا نعرفها بالرغم أننا نعرف تفاصيل دقيقة عن قضايا بعيدة كل البعد الجغرافي والحضاري عن بلادنا .فالحق في المعلومة مازال بعيد المنال فكيف للمواطن أن يواجه المعارض لقضيتنا الوطنية وهو لا يملك أيه معلومة ليدحض بها الرأي الأخر. . كان من الأولى أن يكون مهرجان موازين في دورته 12 تحت عنوان قضيتنا الصحراوية حيث نحتفي بالموسيقى الصحراوية وبتاريخ مناطقنا الجنوبية ونبرز كل هويتها ونعرف كل نواقصها وعلى جميع الأصعدة ولكن ليس بشكل مناسبتي وتنتهي القصة ، فالسياسة استمرارية ومداومة وتخطيط على كل الأمد ، فالمكان والزمان في عمل السياسة سواء والأدوات ذاتها لا يتم تغيير إلا بعض الخصوصيات، فالكرامة هي نفسها في كل البقع والصحة والتعليم يقتضي احترام الهوية من لغة وتاريخ وجغرافية ، لكن التطور السياسي يحتم على كل السياسيين الانفتاح والنظرة الشمولية في ترسيخ مبادئ الدموقراطية وحقوق الإنسان بكل متطلباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.فالجهوية خطوة متقدمة في مسار الدموقراطية ونحن ما زلنا متعثرين في ترسيخها بشكل يطمئن تطلعاتنا لننعم بالحرية ونعبر عن آرائنا دون ممارسة الرقابة الذاتية ، لأننا مازلنا تحت ضغط الماضي وحاضر لم يعطينا مؤشرات لمستقبل دموقراطي ومتسامح مع الآخر. فالمهرجانات لا تقام لإلهاء شريحة من الشباب أو إقامة حفلات بمناسبة أو دون مناسبة بل هي برامج سياسية واقتصادية وفنية وسياحية وتاريخية ولحظات تستعاد فيها ذاكرة الشعب بكل اختلافاته العرقية والدينية والسياسية لتضع لحن سيمفونية التعايش مع بعض ولإثراء المجتمع بكل الأرصدة الفكرية والثقافية والإبداعية التي تزخر بها طاقات شعبنا على مختلف مشاربه الإثنية والفكرية والجهوية. فالمهرجان يجب أن يكون صورة عن البلد وعن مكوناته الفنية والموسيقية وتكريسا لمختلف أساليب التعبير الموسيقية والجسدية لبلورة فكرة عن الإنسان المغربي في مختلف وضعياته، ومن خلاله يتم تسويق صورة البلد وهوياته المختلفة ومدى احترامها وتمتعها بحرية الإبداع والتعبير دون وضعها في قوالب تجسد النظرة الرسمية، لأن الثقافة لا تقبل الوصاية والفكر يرحل من كل زاوية يحس فيها بالضيق ، فحذار من تدجين الثقافة لأنها تموت وتصير ترددات غير مفهومة وحذار من التقليد لأنه يمسخ الهوية . نحن بحاجة الى مهرجانات لكن بمواصفات تحترم شخصيتنا وتقاليدنا تنقلنا لمراحل متطورة من زمننا الحديث لا تستنزف أموالنا التي لها مكان صرفها في الصحة والتعليم والسكن ،وكم من قطاعات مازالت مفتوحة كل أبوابها تنتظر متى يلتفت إليها .لا نريد موازين زمن الخلل ،لأننا نعتبره وسيلة سياسية لتنسينا مطالبنا المشروعة ،ونشعر بالغبن السياسي بأننا خدعنا في اختياراتنا ، وتم النصب علينا بوعود ما فتئت تتعرى للملأ، وما مهرجان موازين إلا إحدى الواجهات لتلك السياسة التي تحاول تزويق الواقع بلحن مستورد بالعملة الصعبة على حساب الكثير من الضروريات، نعم نريد أن نفرح ونغني ونرقص لكن ليس الغناء والرقص الذي ينقلب ندما وحزنا لما نعود ونرى الواقع على حاله يتربص بنا في كل الطرقات ، البطالة ،التسول ، الدعارة، أطفال الشوارع ، الاعتداءات إلى غير ذلك من الظواهر التي ساعدت السياسة القائمة على تطورها ونموها بشكل فظيع . جاء مهرجان موازين يحمل برنامجا من السهرات مع أشهر الفنانين العالميين هل طرحت عليهم فكرة المساهمة في بناء احتضان حضانة للأيتام والتكفل بتمويلها أو المساهمة بنصيب من المكافئة وليس أجرا ذلك الذين يحصلون عليها من أجل بناء مستشفى لأمراض الأطفال والنساء الحوامل، طبعا ذلك ليس من أهدافهم بل تلك أهداف القائمين على السياسة في البلد ، لذا عليهم مراجعة حساباتهم قبل دفع نفقات كانت جديرة أن تصرف هناك وليس على موازين زمن الخلل . .
