لعنة الخصوصية

لعنة الخصوصية

سعيد المودني

المفارقات في بلداننا أكثر من أن تحصى، وأصعب من أن تتم دراستها وتحليلها أو حتى التعليق عليها. فما تكاد تلتفت لواحدة حتى تحاصرك الأهوال من أخواتها، غير أنه ما لا يدرك كله لا يترك جله، على حد قول القدامى. ذلك أن الفظاعة المرتبطة ببعض هذه المفارقات، وغباء الببغاوات المكفوفين المسوغين لها باستخفاف، تكاد تخرج كثلة الإنسان البيضاء من جمجمته، أو تفجرها، أو تحدث تماسات كهربائية من التوتر المرتفع بين سيالاتها. 

ففي نفس الوقت الذي ترى الأسياد يجمّعون قواهم ويوحدون صفوفهم ويؤازرون بعضهم... من اندماج كلي بين الدول، إلى إقامة منظمات إقليمية على شاكلة إمبراطوريات تكون الدول الأعضاء ولاياتها، مرورا بإقامة شراكات اقتصادية تكون فيها المفاضلة والأولوية والامتياز للدول الأعضاء وهلم جرا من أنواع الابتكارات الاتحادية... تجد العبيد يجتهدون في خلق الفرقة والشقاق والتناحر في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية... وإذا لم يكن هذا الشقاق معلنا ومؤطرا ومنظرا له، فإنه يكون مبطنا وتحصيل حاصل كنتيجة نهائية حتمية. 

والأمران سيان. نحن "أمة واحدة" و"إخوة" في خطاب رب العزة من فوق سبع سماوات، وفي خطاب الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وعلى آله، أصحاب العقيدة الواحدة، على أهمية هذا المكون في حياة الأفراد والجماعات، والتاريخ المشترك، والجغرافيا المتصلة، وأرضية التكامل الاقتصادي، والثقافة الشعبية الأكثر تقاربا... يملي الأسياد وينفذ العبّاد(الأوغاد) دواعي الفرقة والتشرذم على أساس اللغة أو العرق أو... أو ماذا؟ لا يوجد "أو" واحدة أصلا إطلاقا إذا قارنا "أو اتنا" مع "أو اتهم". 

نعم هناك بعض اللهجات المختلفة، لكن الكل –على الإطلاق- يمتلك قسطا من تلك اللغة الأم/الجامعة التي يصلي بها على الأقل. أما بالنسبة للدين، فإن المسلمين يشكلون أكثر من95% من مجموع هذه الكيانات المسطرة بقلم الرصاص ووسائل الهندسة الأخرى في سايس-بيكو وقبل ذلك وبعده! وبالتالي فهذه الكيانات تشكل أكبر تجمع بشري منسجم من هذه الناحية مقارنة مع غيرها من التجمعات السياسية والإقليمية. وماذا عن العرق؟ وما هي الأعراق المتداخلة؟ أو ما هي الأعراق التي لا زالت باقية على أصلها إلى يومنا هذا؟ إن الأسياد قد تجاوزوا هذه الترهة منذ أمد واعتبروا التمييز على أساسها عنصرية بغيضة، ويفتخرون باندماج الاسكندنافي بالزنجي والهندي-الآسيوي بالهندي-الأمريكي، ويحركون العبيد كالكراكيز عبر إثارة خيوط تعصب مصطنع بين عربي أمه أمازيغية وأمازيغي جده عربي.. 

إن هذه المكونات، إن وجدت، لم تكن يوما عائقا أمام التكاتف والتآلف، ولكنا تناولناها مصداقا لقول القائل "تبع الكداب حتى لباب الدار"، ومن باب تبيين هراء الطرح. إن الاختلافات لم تشكل حاجزا أمام البناء القوي للدول الأوربية، كل على حدة، ولا أمام تكوين اتحادها الذي يمثل ثاني قوة بعد الولايات المتحدة. أم عندهم تجانس عرقي ولغوي وديني...؟ 

إنهم دمجوا الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس والمسلمين واليهود والجرمان والرومان والإغريق والسلافا والفلامان واللاتنيين... بل إنه لم يكن حاجزا أمام تكوّن القوة الأولى عالميا نفسها بهنودها الحمر وأوربييها المختلفين وزنوجها ومسيحييها المختلفي الطوائف ووثنييها... وما ينتج عن ذلك من اختلاف في اللغة والتاريخ والثقافة...

 إن الهند وحدها بلد الألف لغة والألف دين. دول لا تشرق الشمس على طرف منها حتى تغيب عن آخر موحدة، وأخرى لا يمكنك أن تجوب أرجاءها إلا عبر الأجواء أو البحار هي أيضا موحدة، وأخرى لا يمكنك أن تمر من جزء منها إلى آخر إلا إذا مررت بدولة أو دول أخرى ومع ذلك فهي موحدة، دول فيها عشرات الأجناس وعشرات اللغات وعشرات الأديان.. موحدة!!... فتقتنع تماما أن القاسم المشترك للتوحيد ليس هو توحد هوية الرعية في بعض وجوهها أو كلها، لا، وإنما هو توحد القرار في قرارة نفس الزعيم، والرغبة في التنازل عن المنصب والجاه والامتياز... لأن المستفيد الوحيد الأوحد من تعدد الكيانات الانفصالية هذه هم الزعماء وأعضاء الحكومات أصحاب الامتيازات الطفيلية، أما الشعوب فإن دخلها القومي يوزع على هؤلاء دون فائدة. إننا أمة تتسابق أطرافها للتفاخر بخروجها مبكرا عن سلطة السلطات المركزية، أي تتفاخر بالتمرد، بدعوى الخصوصية والاستقلال. الخصوصية في كل شيء ومن دون سائر الخلق!

 الخصوصية في الديمقراطية، في التاريخ، في الهوية... حتى أصبحت الصفة دون موصوف. إن هؤلاء القوم يذكِّرون بمعضلة اجتماعية سائدة في جل أسرنا، وهي أن غالب الزوجات يزرعن الحقد والضغينة والفرقة بين أزواجهن وحمواتهن ولا يدركن ما اقترفت جوارحهن إلا حينما تقوم كنائنهن باستنساخ صنيعهن.

 فزعماؤنا يرفضون التوحد بحكم الخصوصية، غير أنهم لا يسمحون بالانتقاص من ضيعاتهم، حتى ولو استوجبت ذلك "خصوصية"، بدعوى الوحدة الوطنية. نعم نحن مع اللم والجمع والتوحيد، وبالتالي ضد التشرذم والفرقة يقينا وبكل تأكيد، ولكن يجب أن تكون هناك مصداقية وانسجام وثبات في الخطاب والتعليل. فليست الخصوصية على المقاس، ولا الوحدة الوطنية على المقاس! دائما في إطار الخصوصية، ومما يثلج صدور ولاتنا ويفرج كربهم ظهور بعض مظاهر الأزمات، أحيانا، في بعض الدول الكبرى، فآنذاك يهبون للاستدلال والبرهنة على أن الأزمات لا تختص ببلداننا، وإنما هي كونية بدليل المظاهر السالفة الذكر، ولكن المظاهر/القاعدة السائدة في تلك الدول الدالة على الرفاهية والكرامة والعيش الهنيء الذي تتنعم فيه شعوبها لا تصلح أدوات للمقابلة لأنه، كما يقول علماء الأصول، لا قياس مع وجود الفارق. 

فخصوصيتهم الغنى وخصوصيتنا الفقر، وبالتالي لا يمكن مقارنة الدخل الفردي، ولا الحد الأدنى للأجور، ولا الأعمال الاجتماعية ولا... أما بالنسبة لعلية القوم، فلماذا لا يتجاوز دخلهم وأجورهم وثرواتهم وامتيازاتهم، ظاهرها وباطنها، دخل وأجور وثروات وامتيازات نظرائهم في تلك الدول أضعافا مضاعفة؟ لماذا إذن؟ لماذا؟ إن الآخرين مجرد مسؤولين، أما زعماؤنا فهم دائما سائلين(لا يسألون عما يفعلون ونحن نسأل) والسائل دائما أفضل من المسؤول(ما عدا في التسول) في النظم البوليسية. 

أما الخصوصية هنا فقد نُسخت ب"صورة العلية". ذلك أنها هبطت بعدها، ولهذا رتبت في الكتاب المقدس بين بين(من أراد التوسع في موضوع النسخ فنحيله على المؤلف الكبير العظيم الواسع الرحب "الماسخ والممسوخ" للحافظ الملهم، العالم العلامة، الفهيم الفهّامة، زعيم قومه وفقيه عصره ووحيد قرنه، ابن أبيه وحفيد جده، مولانا المكجدر اللولاني الذي تتلمذ على عدة مشايخ منهم أمه الصابرة المحتسبة وجيرانه في "الدرب" وأقرانه في "المسيد"...) لعنة الخصوصية تفرض "التوافق" والتوافق مقصور علينا، وذلك حفاظا على "التوازنات" المائلة حتى لا ننزلق إلى بلقنة لا قدر الله(بعيد البلا والباس) فلا ديمقراطية مع الخصو(اسم "دلع" على وزن السيمو). هذه الخصوصية الملعونة تطاردنا في كل مناحي حياتنا ظلما وجورا وبهتانا، فبموجبها لا يجوز لأي مظهر من مظاهر هويتنا أن يعلن عن نفسه. 

فإذا كان أصحاب الهويات الهجينة المستنسخة، باعترافهم هم قبل غيرهم، يعبرون عنها في كثير من مناحي حياتهم: راياتهم إما تضم صليبا أو ثلاثة ألوان، فسيفسائهم السياسية من مكوناته دائما أحزاب ذات مرجعية دينية على الأقل تسمية، تنصيب مسؤوليهم لابد أن يباركه طقس كنسي، "باباهم"، المرجع الديني المحض الأعلى، يفتي أن تركيا لا يمكنها أن تدخل النادي الأوربي إلا وفق شروط معينة!!(هل هذا سياسة أم دين؟) أغلب شارات فرقهم الرياضية لابد وأن تحمل صليبا، تبنيهم وتمويلهم لحملات دعوية تبشيرية حتى في عقر دار المسلمين... أما نحن، فبحكم الخصوصية لا يجوز لهويتنا العقدية أن تظهر في أي ناحية من نواحي حياتنا إلا ما تعلق منها بالدعوة والدعاء للولاة في الأعياد الوطنية والدينية والجُمع والجماعات والتذكير بوجوب طاعتهم وبشمائلهم وكمالهم واستحضار منجزاتهم وعبقرياتهم... 

إذا كان الأمر هكذا فلا خصوصية في ذكر ذلك على المنابر أو في المحارب أو حتى في المراحيض(وكم أتمنى أن يستعمل يوما زبانية مسؤولينا المراحيض العمومية ليتمكنوا من قراءة ما يكتب فيها عن أسيادهم، إنه استفتاء صادق لأنه بكل بساطة كتب من طرف شخص "يرتاح" في بيت الراحة، ولا يمكن أن تطاله يد الرقابة والتعديل). آنذاك فلا بأس، وإلا فحرام أن "تسيّسوا" الدين أو "تديّنوا" السياسة(فالسياسة يجب أن تبقى ملحدة!!). فلا حرام في السياسة ولا مصلحة للعباد في الدين. علاقة الدين بالسياسة أيضا بالمقاس! قالها أصحاب موسى عليه السلام لنبيهم فرفض، ونفذ السامري: "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". 

أليس لليهود دولة، وللفاتيكان دولة، فعلى الأقل إذن، اجعلوا لنا دولة في إطار ما تسمح به الخصوصية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة