السيدة فاطمة تعترف ( 3 )

السيدة فاطمة تعترف ( 3 )

الحسن بنونة

 

 

ما زالت السيدة فاطمة تعمل على البحث عن بعض الأسر التي لها مشاكل تعيشها يمكن حلها في الجمعية الاجتماعية ، و ما زالت تعمل مع الوسيطين في إيجاد حلول و إصلاح بين الناس وخاصة الأزواج ، و ها هي تحكي لزوجها عن مشكلة  أرقت الوسيطين وأرقتها ولحد الآن لم يتوصلوا لحلها .

تقول السيدة فاطمة : لقد جاءتنا فتاة لم يتجاوز عمرها العشرين سنة ، وهي تشتكي أسرة زوجها التي تعمل جاهدة على خلق توتر  بينها و زوجها  ، فهي تحكي أن أم زوجها وإحدى أخواته يضايقنها في بيتها ، فهما في زيارات متتالية لها ، وكلما دخلا عليها البيت إلاّ و أنكرا عليها عملها و بحثا عن كل صغيرة يمكن أن يعايرنها بها ، مثل كلامهما الساخر على نظافة بعض الأواني ، أو ترتيب البيت ،أو أن أرض المنزل بها بعض الغبار ...... مع العلم أنها تقول حين تزور بيتهما تجد أكثر مما يوجد ببيتي من أوساخ أو نقص في الترتيب أو غير ذلك ، ولكنها احتراما لمشاعر زوجها  ومشاعر أمه  لا تعيب عليهم ولا تعيّرهم ، و حين تحكي هذا لزوجها ليخفف عنها هذا النكد الحاصل من أمّه ، يلومها ويطالبها بأن تعمل أكثر و بجهد  حتى لا يجد أمّه  من ملاحظة عليها ، كما يُذكرها أن أمّها تفعل نفس الشيء ، فهي حين تزور ابنتها ، تدلي بملاحظتها على ما ينقص المنزل من لوازم ضرورية أو حتى من الكماليات ،مع العلم  أنهما في السنة الثانية من زواجهما  فقط ، وتلقي اللوم على الزوج الذي تزوج وهو غير قادر على جلب كل حاجيات البيت ، فالشكوى منها...... و الرد بالمثل منه.......  حتى يبدأ الصراع بين الزوجين بعد كل زيارة  أم الزوجة أو الزوج لبيتهما .

تتابع كلامها السيدة فاطمة قائلة :حاولنا الاتصال بوالدتي الزوجين ، لكن دون جدوى ، كل واحدة منهما تقول أن ظروفها لا تسمح لها بالحضور إلى الجمعية ،أعدنا الكرة مرارا  حتى تمكنا من حضور أم الزوج ، حينها تكلم معها الوسيطان ، وشرح لها ما يجري ،  ثم نبهها أن تصرُفها يمكن أن يكون سببا في كسر العلاقة الزوجية لابنها  و طالبا منها أن تكتفي بالزيارة دون النبش في السلبيات أو تحقير عمل الزوجة لأنها في الختام ستصبح أم أحفادها ، لكنها تجاهلت  كل ما قيل لها عن سلوكها ، و تشبثت بأن ما تفعله لم يكن سوى النصح للزوجة حتى لا يلاحظ عليها زوارها من عائلتها أو صديقاتها ، حاول الوسيطان مرارا أن ينبها المرأة عن ما تفعله  لكن دون نتيجة تذكر   .

تستمر السيدة فاطمة في قولها لزوجها : كيف السبيل لحل هذه المعضلة ، إن هذه الأسرة على حافة الانزلاق و الشقاق  بسبب  والدتين لم يفهما أنهما قد عاشا حياتهما وأن عليهما أن يتركا أبنائهما يعيشا حياتهما كذلك ، وكيف يمكن أن نجد اليوم وفي القرن الواحد والعشرين أناسا يتدخلون ويعكرون صفوة حياة أسرة فتية ؟ أليس هذا الحقد بعينه ؟ ولو أنه آت من أمهات الزوجين ، لا أدري لما تقوم الكثير من النساء بالنبش في حياة أبنائهم وبناتهم ،  و في بعض الأحيان مطالبتهن بفعل أفعال ربما تكون سببا في التفريق بينهن وأزواجهم ، و هذا ليس حكرا على النساء فقط فهناك من الرجال من يكون سببا  في تعقيد حياة أبنائهم بالتدخل المباشر في شؤون أبنائهم .

تستمر السيدة فاطمة قائلة : آه لو كان كل منّا رجالا ونساء يلتزم بدوره في الحياة  دون التدخل في دور الآخرين كانوا من أصلابنا أم لا ، لكانت محاكم القضاء الشرعي أقل اكتظاظا من اليوم .  أرى أن الزواج بين شاب وبنت لا يقتصر عليهما فقط ، بل هو زواج أسرتين ، فكما يجتمع الشاب بالبنت في بيت واحد ويشتركا في كل حلو و مر ، كذلك يجب على الأسرتين أن تجتمعا فيما بينهما و يتبادلا الآراء و يشتركا في السلوى كما في غيرها، و كما يقال في بلدنا  العزيز فأسرتا الزوجين اشتركا الدّم ، لأن إذا ما رزق الله سبحانه  الزوجين بمولود ، سيكون الدّم الذي يجري في عروقه مختلطا من والديه أي من العائلتين  ، لذا وجب على كل أسرة أن تعمل على إسعاد أحفادها وليس على التفريق بين الأزواج وجعل الأحفاد يعيشون حالات  من التشرذم  و الانفصام بعيدين عن جو الوئام الذي تعيشه الأسر السعيدة .

تسترسل السيدة فاطمة كلامها و بحرقة تجدها في كيانها : آه لو استطعت أن أجمع مئات بل الآلاف من الأمهات و الآباء و أخاطبهم و أقول بصوت عال : أيتها الأمهات ، أيها الآباء ، إذا ما رضيتم بزواج أبنائكم وبناتكم و تم الزواج على سنة الله ورسوله ، اتركوهم يحيوا حياتهم كما يشاءون ، لا تتدخلوا في مجريات حياتهم ، فإن استنصحوكم فانصحوهم ، وإن استشاروكم فشاوروا عليهم ، و إن وجدتم ما لا يروقكم  فلا بأس أن تلاحظوا عليهم ، لكن بأسلوب  فيه  المحبة و النصيحة ، وليس بأسلوب التهكم أو الاحتقار ،  و لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم ، اتركوهم يبنوا بيتهم وأسرتهم كما يشاءون ، ولا تكثروا عليهم  بالاقتراحات إلاّ إذا ما طلب منكم ذلك ، و لا تطالب الأم ابنتها بأن تجعل زوجها بين أصبعيها بطلبها شراء الذهب و الممتلكات باسمها حتى تضمن مستقبلها ،  كما لا يطالب الأب ابنه بأن يكون رجلا صارما مع زوجته حتى لا تحتقرنه و تقلل من شأنه ، فهما قبلا بعضهما البعض من أجل حياة سعيدة يتقاسما فيها الأفراح و الأحزان و المتاعب ، أليست هي الحياة ؟ فالحياة كد و تعب و اجتهاد و مشاكل و حلول و راحة  و تعاون ، و أحسن ما فيها محبة بين اثنين أساسها الاحترام المتبادل و التفاهم و التسامح ، فإن غابت إحدى  هذه المقومات نقصت المحبة و نقصت السعادة . أيها الأمهات أيها الآباء أنتم قد عشتم حياتكم ومرّ منها القسط الأكبر فلا تعكروا صفاء حياة أبنائكم .

تكلم الزوج : لم أكن أتوقع يوما أنك بالفعل ستصبحين  يا عزيزتي  فاعلة اجتماعية بامتياز ،  و أنت الآن تعملين في مجال ليس له جزاء إلاّ من الله العلي الكبير ألا تسمعين  قول الله سبحانه  ((فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ )) النساء ... وفي مقام آخر يقول سبحانه ((فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )) الأنفال...ويقول سبحانه  (( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )) النساء ....

أمّا من الأحاديث فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : إصَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ ، قَالَ. لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ) .رواه أبو داود والترمذي و حسنه الألباني في صحيحه .ملاحظة : الصيام والصدقة والصلاة المذكورة في الحديث هي ليست الفرض بل التطوع

 وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط قالت: سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمى خيرا أو يقول خيرا).. متفق عليه

عزيزتي لا تتركي هذا المجال  ، ففيه الخير الكثير ، ولا عليك ولا تحزني ما دمت تريدين إصلاح ما فسد بين زوجين أو أخوين أو أسرتين فالله سيعينك على ما تريدين ، لا تيأسي و حاولي ثم أعيدي المحاولات حتى يتحقق أملك ، وكوني على يقين أن بالعزيمة و الإصرار يصل الإنسان إلى الهدف المنشود  .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة