حكومة تكنوقراطية هي الحل ... !
عبد العزيز الادريسي
بعد مرور حوالي 19 شهرا على تنصيب حكومة الأستاذ عبد الإله بن كيران، لم يلمس المغاربة من هذه الحكومة إلا تبادل التهم بين مكوناتها، ويسمعون بمفردات وأسماء لم يعرفونها إلا من خلال الكتب والأشرطة الوثائقية المتلفزة أو القصص الخيالية، إلى أن تكونت لدى المجتمع المغربي كبارا وصغارا رؤيا خيالية على أن هذه الحكومة وكأنها هي في حاجة إلى من يعالجها بدل أن تعالج هي قضايا المواطنين والمصالح العليا للوطن، وهو ما من شأنه أن يوسع الهوة وتعميق الخلافات بين الحكومة والمعارضة من جهة، وبين الحكومة والمواطنين من جهة أخرى، وبالتالي تتزعزع ثقة الناخبين في الأحزاب السياسية وينفرون من الإنخراط في هذه الأحزاب التي هي المكون الأساسي للمشهد السياسي المغربي سواء من حيث تشكيل الحكومة، أو من حيث انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان، والجماعات المحلية، ويصبح للعزوف عن صناديق الاقتراع مساحة واسعة مما يؤدي إلى آثار سلبية على المشاركة الانتخابية في الاستحقاقات المقبلة، لأن مصداقية الأحزاب ستتقلص بشكل مثير للغاية، فالمواطن المغربي على الرغم من أنه ذكي وواعي جيدا بتطورات الأحداث والوقائع فإنه سيفقد حاسة الاختيار اللائق بين هذا الحزب وذلك، ويصبح ينظر إلى هذه الأحزاب بنظرة واحدة لا يميز بينهم، فالكل يصبح لديه سواسية وذلك هو الإحباط الكبير وخيبة الأمل اللذين يمكن أن يصيبا المواطنين، فمن كانوا قد وضعوا فيه ثقتهم الغالية، لذا إن بقي الحال كما هو عليه من ركود اقتصادي وجمود سياسي فإن هذا الوضع سوف لن يعرف إلا المزيد من التعقيد، ويصعب معه إيجاد الحل في غياب تنزيل مضامن الدستور وتسريع وثيرة التشريع مع شح وسائل تشجيع الاستثمار وتأخير إصلاح العدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاسبة مختلسي أموال الأمة، والمخلين بتدبير مصالح المواطنين، وخيانة الأمانة والغدر، هذه كلها عوامل جد أساسية يجب معالجتها بعقلانية، وانضباط السلوك، وليس بما اصطلح عليه "عفا الله عما سلف"، فعفا الله عما سلف تصرف أخلاقي سامي، إذا انحصرت الجريمة أو الإخلال بالمسؤولية في أمور بسيطة كالمخالفة والاعتداء اللاشعوري وبدون سوء نية، فعفا الله عما سلف تكون هنا آلية إصلاحية من أجل تعديل السلوك وتهذيب الأخلاق ومراجعة النفس الأمارة بالسوء، أما إذا تعلق الأمر بأموال الأمة ومصالحها وفي قطاعات مختلفة وتكرار الاختلال في هذه القطاعات من طرف المسؤول أو المكلف أصبح العقاب واجبا في إطار محاكمة عادلة ونزيهة، لكن إن قضينا الأمور بتركها فذاك هو العجر والكسل والإخلال بالمسؤولية وحمل الأمانة.
لهذه الأسباب، وفي ظل هذه العوامل المؤلمة يصبح لزاما توحيد الصف وتوجيه الفكر في إيجاد الحلول الناجعة لحماية المصالح العليا للوطن والمواطنين، من خلال ترشيد النفقات وتجنب هدر المال العام في الكماليات من خلال استراتيجية متكاملة وشاملة وفق مخطط قابل للتطبيق على المدى المتوسط. وهذا لن يتأتى إلا بفض النزاع القائم بين الأغلبية والمعارضة من جهة، وبين مكونات الحكومة الغير المنسجمة من جهة أخرى.
وإلا ومن هذا المنطلق، يلزم اتخاذ تدابير صارمة ومتوافق عليها بين الفاعلين السياسيين وأساسا الأحزاب الكبرى التي لها فرقا برلمانية أو هي مشاركة في الحكومة، ولو كانت هذه التدابير مؤلمة، ما دام الهدف والغاية "المصلحة العليا للوطن" وقد يكمن هذا الحل في تشكيل حكومة تكنوقراطية مصغرة من ذوي الإختصاص وفق الفصل 42 من دستور 2011، وحل البرلمان بمجلسيه، مع إمكانية إنشاء فريق استشاري من رؤساء الأحزاب التي لها أكثر من 25 نائبا في مجلس النواب يحضرون كملاحظين في المجلس الوزاري.
وقد تكون هذه التجربة ناجحة، حيث يكمن نجاح هذه التجربة في كون الحكومة التكنوقراطية المصغرة المختصة ستكون منسجمة ولها مخطط واضح ملزمة بتنفيذه وفق برنامج معلوم الزمن والمكان، ولا يهمها إلا مصلحة الوطن العليا وتحقيق تطلعات المواطنين بعيدة عن الإيديولوجيات السياسوية، وحتما ستكون هذه التجربة ناجحة لأنها ستكون مسؤولة أمام جلالة الملك، ومراقبة من طرف الشعب مباشرة، ثم القضاء في إطار ربط المحاسبة بالمسؤولية الفصل 94 من دستور فاتح يوليوز 2011.
وقد يقول قائل هذا ليس من مفاهيم الديمقراطية... ! والجواب هو، أن الديمقراطية هي الحكم الرشيد، والعيش الكريم، وحفظ الحقوق، والقيام بالواجبات، وتوفير الشغل، والسكن اللائق، والصحة للجميع، والحق في الحياة، في جو يسوده الأمن والأمان وترسيخ مبادئ المواطنة الحقة بتعديل السلوك وإحقاق الحق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ونزاهة القضاء، وتطبيق مضامن الدستور، فهذه قيم ومبادئ أساسية ثابتة يتطلع إليها كل مواطن يسعى إلى غد أفضل في أي زمان ومكان.
