أ لكليات الآداب و العلوم الإنسانية نصيب
أشرف سليم
بعد صدور نتائج الباكلوريا ، ستشرئب أعناق الناجحين و الناجحات نحو آفاق التوجيه ، منهم من سيختار معاهدَ علميةً و تقنيةً ، و منهم من سيبغي الجامعاتِ ، كما أن منهم من سيولي وجهه شطرَ الدراسة بالخارج ... ، و عموما فحسن اختيار التوجيه في التعليم العالي من شأنه تدعيمُ مسيرة دراسية موفقة ، و فتح أبوابٍ على مَصَارِيعِهَا ، في أفق دخول ميدان الشغل .
تبقى كليات الآداب و العلوم الإنسانية الحلقةَ الأضعفَ في التوجيه ، بل هي آخرُ سبيل يُلْجَأُ إليه بعد انْسداد الأبوابِ في وجوه سُعَاةِ دراسة لها مستقبلٌ أرحبُ و أبلجُ ، نظرا لقصور آفاقها ، و عدم تلبيتها لحاجات العصر و متطلباته في ميدان الشغل ، خاصة في مسالكَ محددةٍ ، و هذا طبعا حسب وجهة نظر عينة محددة ، ربما تفتقد لدقة توصيف واقع حال الدراسة في التعليم العالي الحالي .
أرفض قطعا هذه النظرة الدونية نحو كليات الآداب و العلوم الإنسانية ، ليس تبخيسا في حق غيرها ، و لكن إحلالُها المكانة التاريخية و الاعتبارية التي تستحقها ، خاصة أن لها قيمةً معرفيةً ضاربةً عروشُها في عرق تاريخ عبق يشهد لها بتفريخ نوابغَ عصورٍ ما زالت أسماؤهم محفورةً حد الساعة .
رجوعا إلى واقع حال التعليم العالي ، نجده ما زال يخبط خبطَ عشواء في ظروفه و أحواله ، أهدافه و مراميه ، مخططاته و تَشْبِيكَاتِهِ ، لذلك ليست كليات الآداب و العلوم الإنسانية بمنأَى عن هذه الوضعية السوداوية التي يعانيها تعليمُنا العالي ، و هذا ما توضحه حالة خريجي مؤسسات التعليم العالي ، من حيث عدَمُ احتضان عالم الشغل لمؤهلات هؤلاء الشباب ، من جهة ، و من جهة أخرى ، و هذا الأخطر ، غيابُ أي منفذ للشغل لفئة درست ، و نالت مؤهلا ، خاصة بالخارج ، لغياب تخصص في بلادنا ، أو عدم الاعْتراف به .
لذلك ليست كليات الآداب فقط ، من تئن من وقع هذا الاسْوداد ، خاصة أن لها قيمةً تاريخية تتمثل في أن مادتها كانت تُتدارس منذ عصور قضت ، و مرّت ، و ذلك في الفلسفة و اللغة و و علوم الاجتماع و التاريخ و الحضارة ... سلوا كبارَ من حكموا المغرب ، و تَبَوَّءُوا مناصبَ عاليةً ، أغلبُهم خريجُو كليات الآداب أو أضرابِها ، تعلموا منها فصاحةَ اللسان ، فلسفةَ التفكير ، و تحليلَ مطبات المجتمع ، و الإفتاءَ في نوازل الأمة و حوائجِها ، و تنويرِها بسلاسلَ من الكتب و المراجع و الموسوعات ، أضاءت ظلماتِ الامةِ الحالكةَ ، خاصة أن خريجي هذه المؤسسات امتلكوا أدواتٍ لا تتاح إلا لغيرهم ، و ذلك يامتلاك اللغة الحصيفة ، و التحليلِ الفلسفي للأشياء ، و تسيير الأمة بالكلمة ، و لنا أن نتخيل ما كانت تفعله خطب الإمام علي في الناس ، زمنِ نشوب الخلافات السياسية في التاريخ الإسلامي .
تبقى إذاً بوصلة اخْتيار التوجيه بيد الناجحين و الناجحات ، لكن وجبَ عدمُ توجيه نظرة تبخيسية في حق كليات الآداب و العلوم الإنسانية ، لها أيضا من منافذ الشغل ما يجعلها قبلةً تهفو إليها الأفئدة ، تتيح مبارياتِ التعليم ، و احتلالَ مناصبَ في القضاء ، و ولوجَ أطر عليا في الدولة ، لمن درس ، و كدَّ و اجْتهد ، و لسنا بأحسنَ من علال الفاسي ، أو عبد الله العروي ، و محمد عابد الجابري ، و محمد الروكي ، عبد القادر الفاسي الفهري ، و عبد الهادي بوطالب ... من تخرجوا من كليات الآداب ، و صاروا نجوماً لامعةً في تاريخ المغرب الحديث .
