التلفزيون ورمضان

التلفزيون  ورمضان

الحسين أربيب

 

رمضان شهر الصيام والعبادة ولكن أيضا شهر العمل والقيام بالواجب كسائر الأيام ، كما أنه شهر الترفيه والتثقيف والاستفادة الفكرية ، سواء من خلال قراءة الكتب أو مشاهدة الأفلام أو مشاهدة التلفزيون،وعلى ذكر التلفزيون لابد من وقفة تأملية لبرامج هذه الشاشة التي تدخل كل البيوت دون استئذان، برامج أقل ما يمكن القول عنها هي أنها تضحك على ذقوننا ، ومن مالنا ، وتلك هي الطامة الكبرى،فلو انتقلت ما بين القنوات المغربية لن تجد نفسك ولا احد من جيرانك أبدا ـ لا أقصد أن تراه بعينه ، ولكن تمثلا لوضعه الاجتماعي من حيث السكن والأكل والملبس ومن حيث رؤيته للقضايا التي تشغل باله وطريقة تحليله لها ،فالبرامج السياسة على ندرتها تسبح في سماء عير سمائنا وواقع غير واقعنا ، وتتحدث عن واقع سياسي دون ملامسته ومقارنته بمجريات الأمور على الأرض مع تقييد لحرية التعبير بشكل صارخ يتجلى في سلطة الرقيب القبلي الذي ينتقي المشاركة بدقة لدرجة يتخيل أن البرنامج عبارة عن مسرحية رديئة مكتوبة سلفا والحال أن البرنامج يقال عنه أنه في بث مباشر  . فالسياسة في التلفزيون المغربي مغيبة لدرجة يعتقد المرء انه في بلد لا مشاكل فيه ولا انشغالات لهذا الشعب ،فالإشهار يأخذ الحيز الكبير من زمن المشاهد بحيث في لحظة ما يتحول التلفزيون الى سوق غريب لا هو بسوق شعبي كما نراه في الحياة اليومية ولا هو يأتي برؤية جديدة للتسويق ،بل نشاهد الصور تتراقص أمامنا ويرفع الصوت لدرجة مثيرة لينتبه حتى الذي لا علاقة له مع هذا الكائن الغريب الذي أدخلناه بأنفسنا لبيوتنا طمعا في الاستفادة والترفيه في آن واحد ، لكن لا هذه ولا تلك ، سوى أننا أمام جهاز يزيد كل يوم في إفراغ ما تعلمنا وتحويلنا الى جمادات تأكل وتشاهد ولا تفكر.لذا أقترح القيام بإضراب عن المشاهدة لهذه الشاشة التي لا تعكس وجوهنا بل تمسخنا وتحولنا الى كائنات نزعت منها ملكة التفكير والملاحظة والانتقاد ، فصرنا نستهلك كل ما قدم لنا    . إن التلفزيون المغربي لا يساهم في تطوير العقل المغربي فلو كانت هناك دراسة علمية لأثبتت ذلك، ولكن هيهات من سيقوم بتلك الدراسة ؟ فالتلفزيون أداة مهمة ووسيلة ناجعة وفعالة لو استعملت على وجهها الصحيح وهو تطوير المواطن المغربي ورفع مستواه الفكري والتربوي والرقي بوضعه المدني من مواطن تابع وخنوع الى مواطن مطالب بحقوقه وقائم بواجباته ،ومواطن يعبر عن ميولاته السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية بحرية تامة، ويجد الدعم من جهاز التلفزيون بنقل حواراته ونقاشاته دون تدخل المقص وتشويه المعنى المقصود .إن التلفزيون المغربي عرقلة للتنمية وحاجز شائك لتخطي الصعاب لأنه يزوق الواقع ويرخي الهمم وينزع كل فتيل شعلة تريد إضاءة الواقع المظلم . فالتلفزيون لا يقوم بتقوية الهوية المغربية وحب الوطن من خلال برامج تعرف بالجغرافية البشرية للإنسان المغربي ومصالحته مع نفسه وبث الثقة في قدرته عوض تغييب كل كينونة والتقليل من أهميتها عبر استيراد تجارب أو مهارات أجنبية والانبهار بها. كما أن هذا الجهاز لا يكشف الواقع المغربي سواء في رمضان أو غير رمضان ، فهل قامت إحدى قنواتنا بتصوير جحافل المتسولين في الشوارع والأسواق ضمن برنامج ستسميه وجه بلادي الحقيقي؟أم أن عقلية الإعلاميين في خدمة السياسيين؟  .                                                                 

  إن المشهد التلفزيوني بالمغرب يجب تغييره جذريا من خلال تغيير العقلية المتحكمة فيه ، تلك العقلية التي لن تسقط سوى في نتيجة حتمية وهي جعل قنوات المغرب مهجورة ولا أحد يطل عليها.فهل سيكون رمضان 2013 بداية  صوم التلفزيون عن الترهات التي يقدمها ونهج سياسة برامج تتفاعل مع الواقع المغربي وتساهم في الخروج من النفق المظلم الذي نحن فيه؟       

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة