المخاض العسير

المخاض العسير

الحسن بنونة

 

كل الدول العربية وبدون استثناء كانت تحكمها دكتاتوريات متفاوتة في التسلط و القهر ، وقد خرجت بعض الدول من هذه الدكتاتوريات قبل الربيع العربي بشكل تدريجي و غير تام  ، ومنها من انتفض شعبها وقام بتظاهرات في الميادين والساحات مطالبين رؤساءهم بالرحيل وترك الكرسي ، فمنهم من فهم الشعب وهرب قبل فوات الأوان " فهمتكم " ومنهم من ناور ولكنه في الختام رحل ومنهم من بقي مستعصيا على الشعب حتى عزلوه من كل " زنقة " ، ومنهم من دمر البلاد وجعلها دكا ، والغرب يراقب هذه التحولات عن كثب و يبحث عن ميزان القوى أين يتجه حتى يدافع عن مصالحه ، و طبعه حماية مصالحه ولو على حساب الشعوب المقهورة ، ، فبعد ما كان يؤيد نظام مصر و تونس و اليمن غير الاتجاه 180 درجة وأصبح ينادي بحرية الشعوب وأنه مع مطالب الشعب العربي  ، ففي أي وقت اهتم الغرب بالشعوب العربية ؟،  منذ بضع أسابيع فقط كان الغرب يشيد بتفاهم الإخوان المسلمين ورئيسهم في مصر و أكد استعداده للتعامل مع حكام  مصر الجدد وغيرهم في  البلاد التي مرت بالربيع العربي  ، و بعد ألعوبة 30 يونيوه والانقلاب العسكري على مورسي غير الغرب من مواقفه ، فمنهم من أيد الانقلاب ومنهم من استنكره استنكارا محتشما  ومنهم من بقي  ينتظر إلى ما ستؤول  إليه الأحداث حتى يتبين الغالب من المغلوب و ينحاز إلى الغالب ، وهذا ما فعلته أمريكا ،و حتى نكون منصفين فألمانيا وحدها من بقيت تؤيد الشرعية في مصر إلى غاية كتابة هذه السطور  ، لكن المتأمل يرى أن كل ما يجري في الدول العربية ما هو إلاّ لعبة محبوكة ضد الشعوب العربية حتى لا تستفيد من ربيعها ولا تخرج عن طاعتها المفروضة لحكام صنعهم الغرب من أجل مصالحهم ومصالح إسرائيل ، إذا ما أخذنا بنموذج مصر نجد أن كل من سموا أنفسهم المعارضة أو حركة الإنقاذ أو حركة تمرد هم أذناب الغرب بامتياز ، البردعي و عمر موسى كما هذا المجهول عدلي منصور و العسكري السيسي .

أمّا من سموا أنفسهم بالإسلاميين هم مسلمون قبل كل شيء  ثم أن هذا مصطلح " الإسلاميون " يعني أنهم اختاروا أن يتحاكموا للأصل في حياتهم  " القرآن والسنة " و أغلب الحركات و الأحزاب  المؤمنة بالعمل السياسي لا تنكر الديمقراطية ولا تميل كل الميل لتطبيق الشريعة  إنما تريد أن تصلح ما فُسد في العهد السابق ، و من الممكن جدا أن لا تنجح في تجربتها ، لكن ليس من المعقول أن لا نترك حزبا أو رئيسا نجح بانتخابات حرة ونزيهة و شهد لها العالم ،أن لا يكمل فترته  و ولايته ، فالغرب الذي يتبجح به الليبراليون والديمقراطيون والشيوعيون وغيرهم لا ينقلب على منتخبه في السنة الأولى من ولايته  ، وإلاّ فستصبح الفوضى هي السائدة . ، وبما أن تجربة  الإسلاميين حديثة  العهد  و أن خبرتهم أقل من سابقيهم فهم إذا ما أصلحوا وما طوروا و ما أنجزوا ،فهم  على أقل تقدير لم ولن يسرقوا أموال بلدانهم وشعوبهم ، فلما لا يريد النُخب من كل البلدان العربية أن لا يصل الإسلاميون إلى سدة الحكم ؟ وقع هذا في الجزائر أولا سنة 1991 م  ثم اليوم نجد مصر على المحك ، وهناك من الشباب في بلدان أخرى تهيئ للخروج ضد الإسلاميين ، وقد سموا حركتهم " التمرد " فعلى من ستتمردون ؟على من يريد الإصلاح ؟ ولصالح من ؟ لمن كانوا في الحكم من عهد استقلال كل بلد عربي ولم يقدموا لشعوبهم شيئا إلاّ الاختلاسات من صناديق المال العام وتهريبه إلى الخارج ، يا شباب التمرد راجعوا تاريخ كل من يحضكم و يحرضكم على التمرد ، ستجدون وبدون أدنى شك أن أغلبهم من كان فقيرا ودخل السياسة من أحد أبوابها ثم أصبح من الأغنياء في فترة وجيزة ، أ  لصالح هؤلاء  ستتمردون ؟  

إن الشعب المصري اليوم منقسم إلى قسمين ، فمنهم من يطالب بالشرعية ومنهم من يطالب بإبعاد الإسلاميين من الحكم ، إلى متى ستستمر هذه  النازلة ؟ فنتيجتها قتل الأبرياء ، وتيتيم الأطفال وترميل النساء و ربما يصل الحال إلى عودة العسكر إلى سدة الحكم وتعود مصر من حيث خرجت ، ليست أبدا هذه هي الديمقراطية ، كلما نجح رئيس أو حزب ولم يأتي بما لا تهوى الأنفس قمنا وخرجنا إلى الشوارع للمطالبة بإسقاطه ، فما لا تهواه أنت يهواه آخر ، وما لا يعجبك أنت يعجب الآخر ،فصناديق الاقتراع وحدها لها الحق في اختيار مدبر أمور الشعب وهي التي يمكن أن تسقطه من منصبه .

مخاض الديمقراطية والحرية في البلدان العربية عسير ، لكنه ممكن إذا ما تركنا الأمور تسير على الوجه الصحيح ، ربما يطول المخاض لكن ولادة الحرية والديمقراطية ببلداننا آت لا محالة بإذن الله  ، وهذا ما يخشاه الغرب ، حيث أن كل الإمكانيات البشرية و المعدنية و كل الثروات موجودة بأرض العرب . فإذا ما أصبح العربي حرا طليقا متمكنا سوف يعمل على ازدهار بلده ، والبلدان العربية أعطاها  الله السهول والجبال و الوديان و البترول والغاز والمعادن و الطاقة البشرية و أكثر ... ، لا ينقصنا سوى المحبة فيما بيننا و الإخلاص في العمل و حب نفع الوطن ، وهكذا سوف لا نحتاج الغرب أبدا ، ألسنا بشرا مثلهم ؟أليس لنا عقولا ؟ هي مجرد الغيرة التي جعلتني أكتب هذه السطور المتواضعة وليس على الإسلاميين قدر ما هي على الشعوب العربية والمسلمة كافة .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة