أية أغلبية قادمة؟
عبد العزيز الادريسي
الاعتقاد الذي ساد المشهد السياسي منذ أن قرر المجلس الوطني لحزب الاستقلال الانسحاب من الأغلبية الحكومية والاصطفاف في المعارضة، لا يمكن اعتباره إلا مناورة ذكية جديدة ابتدعها حزب الاستقلال لأن له سوابق تاريخية في هذا السياق وهو الذي فعلها سنتي 1958 و 1963، عندما انسحب من الحكومة ولو أن الظروف الحالية تختلف تماما عن الظروف السابقة، وأن هذا الانسحاب الذي تقرر في 11 ماي 2013 لم يأت من فراغ، فحزب الاستقلال قبل أن يتخذ قرار الانسحاب بعث بمذكرة إلى السيد رئيس الحكومة ينبهه بما آلت إليه الأحوال والأوضاع بسبب منهجية العمل الحكومي، لكن السيد رئيس الحكومة لم يهتم بالموضوع كما كان يود حزب الاستقلال مما جعل هذا الأخير أن يصدر بلاغات وتصريحات في الموضوع غير أنه لم يشرح للمواطنين الأسباب و الخلفيات والملابسات التي جعلته يقدم على تقديم هذه المذكرة وبعدها قرار الانسحاب وهو ما جعل السيد رئيس الحكومة لم يحرك ساكنا في هذا الصدد وهو ما أزعج حزب الاستقلال وأجج فيه نبرة الخطاب، وبالتالي قرر الانسحاب من الأغلبية الحكومية بعدما رفع مذكرة إلى جلالة الملك يمكن أنه شرح فيها أسباب قراره بالانسحاب من الأغلبية الحكومية والخروج إلى المعارضة في إطار إستراتيجية محكمة، ومن ضمن هذه الإستراتيجية كان يهدف إلى الضغط على السيد رئيس الحكومة من أجل أن يفتح معه حوارا حول إعادة النظر في التشكيلة الحكومية الحالية من خلال تعديل حكومي وبمفاوضة جديدة وشروط جديدة يستفيد منها حزب الاستقلال، كأن تؤول إليه بعض القطاعات الوزارية التي هو متعود على تسييرها كوزارة الخارجية والتعاون ووزارة النقل فضلا على أن حزب الاستقلال كان يطمع في المزيد من عدد الحقائب الوزارية لإرضاء بعض مناضليه وأساسا الذين ساندوا السيد حميد شباط للوصول إلى منصب الأمين العام للحزب، هذا من جهة، أما من جهة ثانية فإن حزب الاستقلال بانسحابه من الأغلبية الحكومية كان يحاول إسقاط حكومة السيد بنكيران، وبالتالي حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة قد يحتل فيها مرتبة متقدمة تؤهله ليعود إلى الأغلبية الحكومية من باب أوسع وبشروط خاصة بالحقائب الوزارية، معتقدا أن السيد رئيس الحكومة سيفشل في إيجاد من يشكل معه أغلبية حكومية جديدة من أحزاب المعارضة، لأن هؤلاء الأحزاب المعارضة في غالبيتهم ليست لهم صفحة بيضاء مع السيد رئيس الحكومة لان يقبل بهم عند تشكيل الحكومة الأولى، حيث في جلهم كانوا بالنسبة إليه خط أحمر، كما أنه تغاضى عن المنهجية الديمقراطية الانتخابية من حيث عدد الأصوات المحصل عليها كل حزب داخل مجلس النواب، ونجد هنا كل من حزب التجمع الوطني للأحرار 54 مقعدا، وحزب الأصالة والمعاصرة 46 مقعدا، وحزب الاتحاد الاشتراكي 39 مقعدا، وأخيرا حزب الاتحاد الدستوري 27 مقعدا والذي تصدر اللوائح الانتخابية سنة 1984، حيث حصل على 84 مقعدا إلا أنه لم يسبق له أن تحمل مسؤولية الوزير الأول، رئيس الحكومة حاليا، كما أنه لم يحافظ على هذه الشعبية وهبط عدد المقاعد من 84 إلى 14 مقعدا في الانتخابات الموالية، لكنه حاول استرجاع مكانته في المشهد السياسي في انتخابات 25 نونبر 2011، حيث حصل على 27 مقعدا، غير أن حضوره في الساحة السياسية المكانية فهو شبه منعدم خلال 18 شهرا الفارطة وأساسا في عاصمة المملكة فقد غاب عنها منذ انتخابات 1992 التي خرج منها خاوي الوفاض كما هو الحال بالنسبة إلى الكثير من المدن المغربية، وهذا راجع إلى القياديين المحليين، وحزب الإتحاد الدستوري ظل في المعارضة منذ حكومة الوفاق وهي معارضة باهتة ومتحشمة، لربما لأنه يمارس سياسة الاعتدال أو لأنه لا يملك آلية المعارضة المؤثرة مما جعلت نجمه يأفل سنة بعد أخرى، على الرغم من أنه في عهد مؤسس الحزب المرحوم الأستاذ المعطي بوعبيد قد تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام من خلال بعض القطاعات الوزارية الحيوية والفعالة كوزارة المالية، والعدل، والسياحة، والثقافة، والشبيبة والرياضة حيث عرفت هذه القطاعات نشاطا متقدما وملفتا للنظر، ومما زاد في النفور منه هي تلك الأخطاء التي وقع فيها منح التزكيات لمن لا يستحقونها، وجلهم اليوم متابعون قضائيا.
لهذه الأسباب فإن الكثير من المراقبين يرون أن المفاوضات حول تشكيل حكومة جديدة ستكون عسيرة، وحتى وإن توفق السيد رئيس الحكومة في تشكيل أغلبية حكومية جديدة، فإنه إن جانب الصواب في اختيار الحزب أو من يمثلون هذا الحزب في هذه الحكومة الجديدة التي يجب أن تكون قادرة على مواجهة الاكراهات الظرفية الراهنة من جمود في الاقتصاد، وتراجع في القدرة الشرائية وتفاقم العجز التجاري والبطالة إلى غير ذلك من الإصلاحات الإستعجالية، فإن هذه الحكومة ستواجه معارضة قاسية ومتمرسة التي تتمثل في حزب الاستقلال، حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاتحاد الاشتراكي بالإضافة إلى معارضة الشارع والنقابات المهنية والعمالية وذلك إن لم يجدوا في هذه الحكومة الجديدة ضالتهم، أو لم يرضوا عن الحزب السياسي المكمل للأغلبية الحكومية وتلك هي معضلة أخرى، لأن قساوة معارضة الشارع تختلف نوعا وشكلا وأسلوبا عن المعارضة داخل البرلمان، فهذه عوامل لا يمكن الاستهان بها، وإن لم تضعها الحكومة الجديدة في الحسبان فإنها قد تعصف بهذا التحالف الجديد في أي لحظة ثم العودة إلى المربع الأول.
خيار حكومة تكنوقراطية:
يمكن القول أن الإقتناع بخيار حكومة تكنوقراطية مؤقتة و مصغرة مع حل البرلمان بمجلسيه، قد تفيد أكثر لأن هذا الخيار سيفتح المجال للأحزاب السياسية بأن تعيد النظر في إستراتيجيتها من أجل إعادة الثقة إلى نفوس المواطنين وتنشيط المشهد السياسي وموازاة مع هذه الحكومة التكنوقراطية يمكن تأسيس فريق استشاري يتكون من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب بأكثر من 25 نائبا يحضرون كملاحظين في المجلس الوزاري وذلك بالتشاور و التوافق مع كل الهيئات السياسية المعنية ولمدة زمنية تكون مناسبة ومفيدة، وكما سبق ذكره، فإن هذه التجربة قد تكون ناجحة حيث يكمن نجاحها في كون هذه الحكومة المصغرة التكنوقراطية ستكون منسجمة تعمل في إطار استراتيجية متكاملة تخدم المصلحة العليا للوطن بعيدة عن الايديولوجيات السياسية أو الشعبوية، وحتما ستكون هذه التجربة ناجعة لأنها ستكون مسؤولة أمام جلالة الملك، ومراقبة من طرف الشعب المغربي مباشرة ثم القضاء في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة الفصل 94، من دستور فاتح يوليوز 2011، وبالتالي تعود إلى الاقتصاد عافيته وللسياسة اعتبارها، وقد تتقلص البطالة وتحملات الخزينة العامة، ويعم الأمن والأمان والإستقرار وتترسخ مبادئ المواطنة الحقة باحترام القانون والحقوق والواجبات، وهي قيم ومبادئ أساسية ثابتة يتطلع إلى تحقيقها كل مواطن صالح يسعى إلى غذ أفضل في أي زمان ومكان.
