الحكومة القادمة
الحسين أربيب
بعدما تفكك التحالف الحكومي بخروج حزب الاستقلال، جاء وقت شحذ السكاكين وضرب ما تبقى من تماسك حكومى،فحزب الأصالة والمعاصرة لا يفوت فرصة دون أن يطعن في الحكومة ، كما لو كان هو في مأمن من كل ذلك ، وهو الحزب الذي خرج من معطف النظام وفي فمه ملعقة من ذهب ، وحزب الأحرار اعتقد أنه بالفعل أنه حزب في المعارضة وصدق واقعا هوليووديا من سياسة النظام التي تستنسخ مخلوقات سياسية وتطلق عليها مسميات من آليات وطيور ،تحرث أرضا غير أرضنا وتطير في سماء غير سمائنا بسياسة حزبية لا هي بالسياسة وبمواقف لا هي بمواقف ، كل ما فيها ضجيج وهرج يملأ الفراغ الذي نتج عن ممارسات سياسية متعاقبة كلست الساحة السياسية المغربية وحجرت عقول نخبها لتتناسل بشكل عشوائي أحزاب لو جمعت كل طاقاتها الفكرية لن تحصل على حزب واحد متكامل الأركان . أما حزب التقدم والاشتراكية الذي لم يبق منه سوى الاسم فها هو يضع الشروط للتحالف القادم وكأنه رقم أساسي في اللعبة الحكومية، ويتحرك وهو مطمئن كما لو يتوفر على ضمانات، والحال الحكومي مهزوز وغير مستقر منذ بداية ولايته، لأنه يحمل في بطنه أسباب انشطاره وتفتته. . .
إن العمل الحكومي في ظل الأغلبية الحالية لحزب العدالة والتنمية ينقصه الوضوح والصدق والجدية ، وتلك سمة عامة لكل مكونات الحكومة الحزبية التي لا تجمعها قيما سياسية ومبادئ فكرية وأخلاق، بل إن المناصب الوزارية كانت هي الجاذبية التي أعمت البصيرة وخلقت اندفاعا لا يقبل في العمل السياسي ، لأن السياسة بالرغم من سرعتها في التقرير وإيجاد الحلول فهي تأني وتخطيط في جميع المراحل . وللخروج من الأزمة الحكومية يجب أولا حل الأزمة السياسية التي تخنق الجسم السياسي بفعل الانغلاق السياسي والفكري على الشعب وطاقاته الحية التي يمثلها الشباب ، ولقد كان شباب 20 فبراير قد قدم اقتراحات سياسية واقتصادية واجتماعية لم تستطع الأحزاب العريقة الوصول لسقفها . ولم تؤخذ مع الأسف ، بعين الاعتبار في الإصلاحات التي سارع النظام السياسي الى وضعها لتجاوز ضغط الحراك الشعبي الذي قادته حركة فبراير . وبالتالي لم يكن من الصعب توقع هذه الأزمة الحكومية نظرا لما تتوفر عليها من متناقضات بنيوية. واليوم وأمام هذا الوضع المتأزم ليس للنظام السياسي سوى أحد الحلين، إما الدخول في مرحلة انتقالية بحكومة وطنية تضم كافة الأحزاب المغربية دون استثناء أو الشروع في إجراء انتخابات سابقة لأوانها وانتظار ما ستفرزه من أغلبية . وفي كلتا الحالتين لن يغير من الأمر شيئا ما دام التغيير السياسي لم يلامس بعد البنيات السياسية والذهنية للنخب ويحول التفكير الشعبي للقضايا الأساسية مع حدوث تحول في الميول السياسي للمجتمع المغربي ونبذه للممارسات التي تجعل من المناسبات السياسية فرصة للمساومة والبيع والشراء في الذمم ، بمعنى أن التحول الأساسي يجب أن ينصب على تربية المواطن السياسي ليصير حجر الزاوية لكل تحول سياسي برأيه وصوته وموقفه وتفاعله مع الفعل السياسي برد فعل مناسب وراق ومتمدن ومتحضر ومتطور . فلن تكون الحكومات مهما بلغت من درجة الوعي ومستوى الوطنية، قادرة على سن سياسة ناجعة وفعالة ،إن لم تكن مسندة من أغلبية شعبية ومكونات حزبية ومجتمع مدني .فالسياسة ترقى بالشعب والشعب يرقى بها ، فكلما كان التناغم بينهما كلما استطاعا مواجهة كل القضايا الشائكة. إن المغرب هذا الكيان البشري الفسيفساء له من الطاقات ما من شأنها تسريع وتيرة نمونا الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لو تمكن من وضع منظومة سياسية ترتكز على المبادئ الدموقراطية وتبث روحها في نفوس شعبها من خلال التربية والممارسة والمعاملة بحيث يتم احترام الأخر وقبوله بكل اختلافاته العرقية والدينية والفكرية ، دون إقصاء أو تهميش مع العمل على توزيع الخيرات الاقتصادية بنوع من التساوي يراعي الجهد المبذول والاستحقاق عوض الأساليب الريعية المتبعة لحد الآن والتي تكرس واقعا ظالما ومستقبلا مظلما. .
فالبحث عن تحالف جديد ضمن الخيارات الموجودة يصعب من مهمة رئيس الحكومة ويجعل منه كمن له البنات زمن اعتبارهن سلعة ذليلة يضيء بالشمعة والقنديلة، فخصومه بالأمس يصيرون حلفاء ، إذن كيف يتجه نحو حزب الأصالة والمعاصرة ولا تنفك الرابطة مهما أعطيت من ضمانات عليا ؟ وكيف تصير الحكومة محكمة الوليفة مع حزب الأحرار وكل اللغط حول ملف تسريب وثائق إدارية من وزارة الاقتصاد والمالية تتعلق بتعويضات وزير الاقتصاد والمالية السابق و الرئيس الحالي للتجمع والخازن العام للمملكة. هل ستكون الحكومة القادمة مقبرة لذلك الملف؟أم أن حزب الحصان له من القدرة ليساهم في الحكومة لأنه لم يفلح في المعارضة بالرغم من أن إدريس الراضي كشف عن بطنه ليبرهن للشعب أنه ليس بداخله عجينة. وكيف لا يتحالف مع الإتحاد الاشتراكي رغم أن المرجعية مختلفة ، أليس في السياسة تلتقي المتناقضات لتنتج اللإجابيات؟هكذا يمكن أن يفكر رئيس الحكومة في لحظة الحرج. فمهما كانت السناريوهات فالسياسة في المغرب لها ميزة خاصة ، وهي أنها تتقاطع مع كل العائلة السياسية لأنها كلها تأكل من قصعة واحدة . وبالتالي فالحكومة القادمة أكيد أنها لن تكون بعيدة سابقاتها تركيبة وتوجها.والواقع السياسي المغربي يفرض النظر الى البنية السياسية المغربية ومكوناتها بكل موضوعية إذ يظهر بوضوح أن سلطة القرار وفق الدستور والواقع السياسي بيد الملك وبالتالي هو وحده من يملك مفاتيح الحكم سواء على صعيد الحكومة أو البرلمان لأن التركيبة السياسية للنظام لا تسمح بالحركة والتقرير خارج سلطة الملك لأنها مؤسسة مركزية ومركزة لها تاريخ طويل ليس من السهولة التخلي عنه.فكل التحاليل التي تنفخ في اختصاصات الحكومة والبرلمان اعتقد أنها تغطي واقعا سياسيا بواقع نظري إن لم نقل أن لها من المهام لفعل ذلك خدمة لذلك الواقع وتكريسه وتلك بالطبع هي مهمة النخبة المستفيدة من النظام . .
فالحكومة القادمة لن تملك العصا السحرية بل ستكون كسابقاتها من حيث السياسة والبرامج المتبعة لأنها لن تكون أولا سوى تشكيلة من أحزاب خبرنا كل تفاصيل تكوينها وسلوكاتها داخل الحكومة وخارجها ـ وحتى التي لم تصل لكرسي الحكومة فمواقفها خارجها سبقت أفعالها وهي على كرسي الحكم.وثانيا السلطة التنفيذية بالمغرب لها رأسان غير متوازنان بحيث ترجح دائما كفة الملك . فهل يأتي التغيير من واقع سياسي جميع خيوط لعبته في يد المؤسسة الملكية؟ أم أن التغيير السياسي يصنعه الشعب بمختلف مكوناته التنظيمية الشعبية والحزبية المتجذرة في عمق المجتمع المغربي ؟ وفي جميع الأحوال فالحكومة القادمة لن نأتي بالحلول المنتظرة لأنها ستكون نسخة من سابيقاتها لا أكثر ولا أقل.
