كم يلزم من الدماء لغسل العار ؟

كم يلزم من الدماء لغسل العار ؟

اسماعيل الحلوتي

 

    أحيانا كثيرة تباغتنا أسئلة حارقة، يتعذر إيجاد ردود مقنعة عنها، فتؤجل لتظل معلقة في عمق الذاكرة تنتظر عفوا ما يفرج عنها،ما لم تتحول إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة وحين،  تتعالى أمواج الاستياء، يستعر الغضب في الصدورولا خلاص عداالمزيد من الوجع القاسي يعتصر القلوب، لقد ذقنا من مرارة المآسي والإهانات صنوفا وألوانا، ضقنا ذرعا بالذي يجري حولنا، ونحن نجد أنفسنا مرغمين على مراكمة أوجاعنا ولملمة أحزاننا، ولا سبيل للرحمة في كفكفة دموعنا وتجفيفها...

     في تلك الليلة المشؤومة من يوم الجمعة: 2 غشت 2013، التي ستبقى موشومة في الذاكرة وسيظل المغاربة يحفظونها عن ظهر قلب، لما ميزها من استعمال مفرط للقوة أمام "معلمة" البرلمان كما في مختلف المدن المغربية الأبية، في وجه مواطنين عزلإلا من ألسنتهم، استفز مشاعرهم قرار جائر يقضي بالعفو على وحش آدمي، وفتح الأجواء أمامه للتحليق إلى "وطنه" في هدوء تام، إنه المدعو  قيد اعتقاله: دانيال كالفان فيينا، من جنسية إسبانية وأصول عراقية، اغتصب أحد عشرة طفلا مغربيا بالتمام والكمال في مدينة القنيطرة، وأدين بثلاثين سنة حبسا نافذا لم يقض منها سوى ما عمرته إلى الآن حكومة السيد ابن كيران، خرج المغاربة في تظاهرات سلمية ليس احتجاجا على زيادة في المحروقات، ولكن للتعبير عما حرق أعصابهم وهز ضمائرهم، سيما أن العفو صادر عن مؤسسة ملكية، ظلت عبر السنين تحافظ  على كرامة المواطنين، ومهما تكن من مسوغات  لظهور مثل هذا النوع من الاختلالات، ما كان ينبغي أن يعامل المحتجون بتلك الوحشية الضاربة جذورها في أغوار العقلية المخزنية البائدة، المفروض انقراضها منذ المصادقة على دستور 2011، أبالعصي الكهربائية المشلة للحركة، وبالركل والرفس تضمد الجراح؟ كيف للطمأنينة بالعودة إلى النفوسالمنكسرة حيال هذا العسف المضاعف؟ إخلاء سبيل مجرم اغتصب أبناءنا، وممارسة العنف علينا من قبل أمن مفروض فيه السهر على حمايتنا، ترى من له المصلحة في إشعال الحرائق ببلادنا التي اعتقدنا خطأ أنها استثناء عربيا؟ أين نحن من شعار دولة الحق والقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أين ذلكالاختيار النبيل للعدالة الانتقالية الذي طالما حلمنا بتجسيده في أرض الواقع؟ أن يغتصب الأطفال وتمرغ حرمة الوطن وكرامة أبنائه في التراب الممزوج بالدم، لعمري تلك قمة الدناءة والانحطاط في التعامل مع إنسان العصر الحالي...

     الفضيحة هذه، أظهرتبالصورة والصوت إلى كل من يساوره الشك حول واقعنا المر، أننا على الرغم من كل الحراك الدائر حولناوما حققناه من مكتسبات، مازلنا رهائن عقليات فاسدة ومستبدة، نعاني الجور والاضطهاد، وقد وقفالعالم بأسره على زيف مزاعم المسؤولين، الذين لم تنفعهم المساحيق فيإخفاء قبحهم،وهي الكفيلة بالدفع العاجل نحو فتحالملفات الكبرى، وعلى رأسها ملف المتسببين في حالة ذلك الارتباك وما نجم عنها من إفراط غير مبرر في ممارسة العنف على المتظاهرين السلميين، وملف أولئك المعطوبة ضمائرهم ممن اهتبلوا مناسبة عيد العرش،وأدرجوا خلسة اسم المجرم الإسباني ضمن قائمة المقترحين للاستفادة من العفو الملكي، لما فيه من استهتار بالمسؤوليات ومحاولة توريط ملك البلاد في لعبتهم القذرة، وهو الذي استمر متشبثا بالقيم الأخلاقية الراسخة في أذهان المغاربة، مدافعا على حقوق الإنسانوحماية الطفولة وفق ما هو متعارف عليه دوليا،وفضلا عن ذلك فإنها كشفت لنا عن سر عدة وجوه استمرت إلى عهد قريب تتغنى بمغرب الحضارات والحريات، وأجمل بلدان العالم حين أماطث عنها اللثام لتظهر لنا بشاعتها وهي تتذرع بتبريرات واهية ومتناقضة، وعن بؤس بعض الجمعيات التي ما انفكت تغالط الرأي العام بدفاعاتها الشكلية عن الطفولة خاصة المغتصبة منها، سقط القناع عن القناع، وتجلت الحقيقة ساطعة في الأرض والسماء، لا مجال بعد اليوم للتغليط والمغالطات، فبمجرد ما علم المجتمع السياسي الإسباني بالكارثة، حتى عجل بعض من نوابه الشرفاء بوضع سؤال آني وعاجل على البرلمان للاستفسار عن الجهة الضليعة في طلب الإفراج عن وحش آدمي، علق برقبته دم اغتصاب طفولة بريئة،وسيتحول إلى وصمة عار في جبينالمجتمع المحسوب ظلما في دائرة الحاملين لجنسيته، ولن يجلب له معه عدا الإساءة، ترى أي إساءة أفظع من تلك التي لوثت سمعة مؤسستنا الملكية وهدرت كرامة الإنسان فينا؟ أي إساءة أعمق من ذلك الاستقبال "الحارق" الذي حرصت السلطات الأمنية على تنظيمه بولائم القذف اللاذع في أعراضنا والتنكيل المبرح بسائر أعضائنا، احتفاء بشهامتنا في الشجب والاحتجاج وجرأتنا على البوح بالخروقات الظالمة؟ والأفدح من ذلك كله أن يتوارى عن الأنظار البعض من نوابنا "المحترمين"، دون تجشيم أنفسهم عناء الانخراط الرمزي في قافلة المنددين بمثل هذا الحدث الأليم، كيف لهم بتقاضي مثل تلك المبالغ الضخمة من الرواتب الشهرية، دون أن يهبوا عن بكرة أبيهم لمؤازرة شعب أهين؟أليس لهم من شغل شاغل غير التنابز بالألقاب والتجاذبات السياسوية المقرفة؟

 

إنه ليس لأحد الحق في مثل هذه الحالة الفاضحة والشائكة، أن يحاول إيهامنا بأن الخطأ الإداري وارد مهما بلغت حنكة الشخص المسؤول، لأن تاريخناحافل فقط بالغرائب والعجائب ولا يشهد إلا بتلك الأخطاء المنعكسة أضرارها على الضعفاء من المقهورين، ممنتسلب حقوقهم وتنتهك أعراضهم، لا وألف لا، فعشرات من المعتقلين المستحقين للعفو تظل أعناقهم تشرئب إلى التفاتة ملكية، ولا تجد أسماؤهم طريقا إلى اللوائح المعدة سلفا على مقاس منجزيها،وإن وجدتها ذرا للرماد في العيون، فإنها تأتي متأخرة أو بعد فوات الأوان، قد يجوز أن يقع الخطأ بمحض الصدفةفي حالة سجين عاد،يكون اسمه سقط سهوا في قائمة المقترحين للعفو الملكي، إما لتشابه في الأسماء أو ما يندرج في هذا الإطار من الأخطاء غير المقصودة أو المضرة بأحد، لكن أن يفلت من العقاب وحش بضخامة المفترس دانيال كالفان فيينا، فتلك فضيحة ما بعدها من فضائح، ولا تنم إلا عن غباء أولئك الذين يحاولون الاستخفاف بعقولنا، لقد انكشف مكرهم وخبثهم في الاتجار بإحدى القيم الإنسانية، المخولة دستوريا لجلالة الملك في العفو عمن يراه أهلا لذلك من المسنين أو المرضى أو المتصفين بحسن السيرة والسلوك...وله وحده السلطة التقديرية في ذلك، وبما أن الكل يعلم أن جسامة المسؤوليات لا تسمح بمراجعة الملفات والوقوف شخصيا على طبيعة القضايا والأحكام الصادرة في حق الملتمسين للعفو، كان بديهيا وضروريا أن يحظى موظفون سامون في الإدارة السيادية بالثقة للقيام بمثل هذه المهام، التي تقتضي إلى جانب النزاهة والشفافية، الدقة في المعالجة والحرص الشديد على التدقيق الممل في التفاصيل، تجنبا لما من شأنه استفزاز مشاعر العباد وإثارة القلاقل في البلاد، ولرب ضارة نافعة كما يقول المثل، فها هي المصيبة التي حلت بنا وكادت تعصف بأوضاعنا الأمنية، قد تعجل بإطاحة رؤوس سمنتوظلت لزمن طويل تستخف بمصالح الوطن وتسيء إلى صورته في الداخل والخارج، وتجاوبا مع أحاسيسنا الأليمة وما سكن قلوبنا من ضيم وغيظ، بادر القصر الملكي إلى إصدار بلاغ تاريخي يهدئ روعنا ويسكن آلامنا، ويعيد بسمة الأمل إلى شفاهنا، حين يذكرنابأن لنا مؤسسة دستورية حريصة على همومنا وتسهر على رفع الأضرار عنا، لقد قرر الملك مباشرة بعد اطلاعه على خطورة الجرائم المهينة والدنيئة للمجرم، والتي تم بموجبها صدور عقوبة سجنية لمدة ثلاثين عاما نافذا، فتح تحقيق دقيق وعميق في النازلة لتحديد المسؤوليات، وإنزال أقصى العقوبات بمن ثبت في حقهم هذا العهر المكشوف، الذي لم يراع ليس فقط الآثار النفسية للضحايا وأسرهم، ولا حجم الغضب الشعبي وما عساه يترتب عنه من تداعيات، وإنما أضر أيضا بشخص الملك، إن لم يكن يستهدف زعزعة أمن واستقرار البلاد،وسيتلو البلاغ إصدار تعليمات لوزارة العدل قصد اقتراح ما تراه من تدابير وإجراءات قمينة بتقنين شروط منح العفو في مختلف مراحله،ضمانا للاعتبارات القانونية وحفاظا على حقوق الغير، لقطع الطريق علىكل من تسول له نفسه التلاعببمصائر الآخرين... هل ستعمل هذه العاصفة على تطهير ونظافة البلد، وينقشع غبارها عن فجر عهد جديد يغري بالعيش الكريم؟  دعونا ننتظر مرورها بسلام، لئلا نتسرع في استصدار الأحكام بشكل جزافي...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة