لماذا ينبطح الانقلابيون للغرب بالاعتذار في الوقت الذي يواجهون شعبهم بالقتل؟

لماذا ينبطح الانقلابيون للغرب بالاعتذار في الوقت الذي يواجهون شعبهم بالقتل؟

نورالدين الطويليع

 

        اتخذ انقلابيو مصر سواء عصابة العسكر أو الأحزاب التي ارتمت في حضنها بعدما أصيبت بعقد نفسية متعددة نتيجة هزائمها الكبيرة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، من الكذب منهجهم الأول لإرساء حكم يفتقد إلى الشرعية وتثبيته، واستعانوا من أجل تحقيق مأربهم الدنيء بمعاول نظام مبارك الصدئة ممثلة في إعلاميين وفنانين وأشباه مثقفين خبروا هذا المنهج وتفننوا في إبداع وصلاته وتسويقها بشتى الوسائل والطرق منذ سنوات، وذلك بهدف شيطنة أنصار الشرعية وإظهارهم بمظهر بشع ينفر الناس، وتسويق أنفسهم بالمقابل في صورة ناعمة عساها ــ وأنى لهم ذلك ــ أن تأخذ بالألباب.

      ولأن بذرة الكذب عند هؤلاء جميعا لقيت العناية والمتابعة  فقد نمت وتجذرت في عقلهم الباطن حتى سيطرت عليه بالكامل دون أن تترك مكانا لبذور الصدق والمصداقية والمهنية وتحري الحقيقة، وعمت بظلالها كل حواسهم، وبما أن مربط فرس هؤلاء هو الكذب، وفكرتهم الأولى والأخيرة هي الكذب، وعلى اعتبار أن الأفكار كما يقول المرحوم إبراهيم الفقي "هي التي تسبب لنا الإدراك والمعنى والقيم والاعتقادات والمبادئ"، فإن كل حدث صغيرا كان أو كبيرا لايمكن أن يمر دون أن يطبعوه بالكذب الذي صار قيمتهم العليا وعقيدتهم التي يحرصون على أداء شعائرها بنشاط منقطع النظير حتى ملكت عليهم السمع والبصر والفؤاد، فلا ينقلوا خبرا سمعوه أو رأوه إلا بعد استدعاء الاحتياطي الضخم من المهارات والقدرات الكذبية والافترائية التي راكمها عقلهم الباطن وجعل ملفها رهن إشارتهم في كل وقت وحين.

      وكما هو حال المتبتل الذي ينقطع عن العالم، فلا يسمع ولا يبصر ولا يشعر بوجود أحد، فإن هؤلاء أصبحوا يؤدون طقوسهم الكذبية بتركيز شديد أفقدهم الإحساس بمن حولهم، وهو ما أوقعهم في مآزق جعلتهم يولون الأدبار ويعلنون براءتهم مما يعتنقون كلما اصطدم كذبهم بحفيظة أسيادهم وأولياء نعمتهم من الأوربيين والأمريكيين، وهذا ما يفسر اعتذارهم للاتحاد الأوربي عن كذبهم على مفوضته بالتحريف والزيادة والنقصان أثناء ترجمة حديثها في مؤتمر صحفي، واعتذارهم لمنظمة العفو الدولية بعدما حشرها كلب داخليتهم في ملف اتهام المعتصمين في ميداني رابعة والنهضة بحيازة السلاح!!!

     والمفارقة التي تجعلنا نطرح أكثر من تساؤل هو هذا الإصرار المنقطع النظير على الاستمرار في ممارسة طقس الكذب على الشعب، حتى إن تجاوزت بعض شظاياه حدود البلد سحبوه وتوقفوا، وهذا يحيل على وجود ملف العمالة للغرب في عقلهم الظاهر والباطن،الذي ربما يعتبرونه ربهم الأعلى ويفرون إليه طالبين منه العفو والصفح الجميل كلما تلقوا إشارات عدم رضاه.

    أما بالنسبة للشعب فمنطقة الإحساس به في عقلهم الباطن تبلدت وتوقفت عن الاشتغال بسبب الإهمال والتجاهل المستمرين، فهم يتصرفون معه كالحمار المعصوب العينين الذي يرتكب الحماقات دون أن يفطن إلى سلوكاته وأفعاله بسبب عطبه البصري، ويبدو جليا أنهم عوضوها بالحقد عليه لأنه لفظهم في الاستحقاقات الانتخابية وكرر سقوطهم بميزة ضعيف جدا، فامتلأوا غيظا تجاهه ممنين النفس بزواله، حتى إن منهم من تباكى على حياته التي سيضع لها الشعب حدا من خلال حبل المشنقة إن لم تسارع عصابة الأمن والعسكر إلى تخليصه منهم!!!، وهو ما يتساوق مع ما جاء في إحدى مسرحيات شكسبير حين قال الحشم للملك إن الشعب يطالبك بالاستقالة، فرد عليهم: فليستقل الشعب وأبقى أنا.

      هؤلاء ذهب بهم حقدهم المتطرف أبعد من هذا، فهم يقولون: ليمت الشعب ونبقى نحن، وهم يتلذذون بمنظر الدماء المسالة، داعين حاضنيهم إلى المزيد في صورة تعبر عن فقدانهم الإحساس الإنساني والشعور الآدمي كما لو كانوا ضباعا متوحشة تقتات على الفتات.

 

     لقد آن الأوان لكي يعي الانقلابيون أن ممارسة نفس الأسلوب بنفس الطريقة هو عين الغباء، فإذا كان منهج القتل قد أتى أكله مع جمال عبدالناصر، ومنهج الكذب قد جاء بالنتيجة المتوقعة مع السادات ومبارك، فإنه في زمننا الحاضر قد أثبتا فشلهما الذريع وجعل أحرار العالم ينظرون بعين السخرية إلى هذه الكائنات الانقلابية المتوحشة التي تستعمل أقصى درجات الوحشية والهمجية في مواجهة شعبها نتيجة إحساسها بالنقص، وعنفها المرضي هذا ناتج عن إحساسها بالدونية والاندحار الذي لا شك أنه سيستمر إلى حين أن ترمى في مزبلة التاريخ لتؤرخ لحقبة كالحة من تاريخ الإنسانية. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة